الصحيح الذي تشهد له القرائن القرءانيّة ، واستقراء القرءان ، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من غير معارض من كتاب ، ولا سنّة ظهر بذلك رجحانه على تأوّل عائشة رضي اللَّه عنها ، ومن تبعها بعض آيات القرءان ، كما تقدّم إيضاحه . وفي الأدلّة التي ذكرها ابن القيّم في كتاب الروح على ذلك مقنع للمنصف ، وقد زدنا عليها ما رأيت ، والعلم عند اللَّه تعالى . * ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِأايَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) * . ظاهر هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات اللَّه ، ولكنه قد دلَّت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق ؛ كقوله تعالى بعد هذا بقليل : * ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) * ، وقوله تعالى : * ( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْء ثُمَّ إِلَى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد أوضحنا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) ، في آية ( النمل ) هذه ، في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها : * ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً ) * الآية ، وبين قوله تعالى : * ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ) * ، ونحوها من الآيات ، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله : * ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ) * في الحشر العام لجميع الناس للحساب والجزاء . وقوله تعالى : * ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً ) * ، في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة ؛ لأجل التوبيخ المنصوص عليه في قوله هنا : * ( حَتَّى إِذَا جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِئَايَاتِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ) * ، وهذا يدلّ عليه القرءان ، كما ترى .
وقال بعضهم : هذه الأفواج التي تحشر حشرًا خاصًّا هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم ، وعليه فالآية كقوله تعالى : * ( فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ عِتِيّاً ) * ، والفوج : الجماعة من الناس . ومنه قوله تعالى : * ( يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ) * ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) * ، أي : يردّ أوّلهم على
أضواء البيان — صفحة 142
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٤٢