وعلى أبصارهم الغشاوة ، فلا يسمعون الحقّ سماع اهتداء وانتفاع . ومن القرائن القرآنية الدالَّة على ما ذكرنا ، أنّه جلَّ وعلا قال بعده : * ( وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ ) * .
فاتّضح بهذه القرينة أن المعنى : * ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) * ، أي : الكفار الذين هم أشقياء في علم اللَّه إسماع هدى وقبول للحق ، ما تسمع ذلك الإسماع * ( وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ) * ، فمقابلته جلَّ وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها ، لمن يؤمن بآياته ، فهو مسلم دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية موت الكفر والشقاء ، لا موت مفارقة الروح للبدن ، ولو كان المراد بالموت في قوله : * ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) * ، مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله : * ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) * ، بقوله : * ( وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ) * ، بل لقابله بما يناسبه ، كأن يقال : آن تسمع إلاّ من لم يمت ، أي : يفارق روحه بدنه ، كما هو واضح .
وإذا علمت أن هذه القرينة القرءانيّة دلّت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء ، الذين لا يسمعون الحقّ سماع هدى وقبول .
فاعلم أن استقراء القرءان العظيم يدلّ على هذا المعنى ؛ كقوله تعالى : * ( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) * ، وقد أجمع من يعتدّ به من أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله : * ( وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ) * : الكفّار ، ويدلّ له مقابلة الموتى في قوله : * ( وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ) * بالذين يسمعون ، في قوله : * ( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) * ، ويوضح ذلك قوله تعالى قبله : * ( وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الاْرْضِ أَوْ سُلَّماً فِى السَّمَاء فَتَأْتِيَهُمْ بِئَايَةٍ ) * ، أي : فافعل ، ثم قال : * ( وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) * ، وهذا واضح فيما ذكرنا . ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم ؛ كأن يقال : إنما يستجيب الأحياء ، أي : الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم ، وكقوله تعالى : * ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ) *
أضواء البيان — صفحة 125
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٢٥