َ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ ) * ، فقوله : * ( حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * ، أي : حتى لا يبقى شرك على أصحّ التفسيرين ، ويدلّ على صحّته قوله بعده : * ( وَيَكُونَ الدّينُ للَّهِ ) * ؛ لأن الدين لا يكون كلّه للَّه حتى لا يبقى شرك ، كما ترى . ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إلاه إلاّ اللَّه ) ، كما لا يخفى .
والرابع : إطلاق الفتنة على الحجّة في قوله تعالى : * ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) * ، أي : لم تكن حجّتهم ، كما قال به بعض أهل العلم .
والأظهر عندي : أن الفتنة في قوله هنا : * ( أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) * ، أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة .
وأن معناه أن يفتنهم اللَّه ، أي : يزيدهم ضلالاً بسبب مخالفتهم عن أمره ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
وهذا المعنى تدلّ عليه آيات كثيرة من كتاب اللَّه تعالى ؛ كقوله جلّ وعلا : * ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) * ، وقوله تعالى : * ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ) * ، والآيات بمثل ذلك كثيرة ، والعلم عند اللَّه تعالى . * ( قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ) * . بيَّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم ما عليه خلقه ، أي من الطاعة والمعصية وغير ذلك .
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية مع أنه معلوم بالضرورة من الدّين ، جاء مبيّنًا في آيات كثيرة ؛ كقوله تعالى : * ( وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) * ، أي : هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشرّ . وقوله
أضواء البيان — صفحة 560
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٦٠