وهذا دليل من لفظ النبيّ الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا هو رجمها فقط ، فربط هذا الجزاء بهذا الشرط أقسم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قضاء بكتاب اللَّه وهو متأخّر عن حديث عبادة ، لما قدّمنا .
وهذا الدليل أيضًا قويّ جدًا ، لأن فيه إقسامه صلى الله عليه وسلم بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتّب عليه الرجم ، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين : إما أن يكون صلى الله عليه وسلم اقتصر على قوله : ( فارجمها ) ، أو يكون قال مع ذلك فاجلدها ، وترك الراوي الجلد ، فإن كان قد اقتصر على الرجم ، فذلك يدلّ على نسخ الجلد ؛ لأنه جعل جزاء الاعتراف الرجم وحده ، لأن ربط الجزاء بالشرط يدلّ على ذلك دلالة لفظية لا دلالة سكوت ، وإن كان قال مع الرجم : واجلدها ، وحذف الراوي الجلد ، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع ؛ لأن حذف بعض جزاء الشرط مخلّ بالمعنى موهم غير المراد ، والحذف إن كان كذلك فهو ممنوع ، ولا يجوز للراوي أن يفعله والراوي عدل فلن يفعله .
وقد أوضحنا في سورة ( الأنعام ) ، في الكلام على قوله : * ( قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ ) * ، أنه لا تعارض بين نصّين ، مع اختلاف زمنهما ؛ كما هو التحقيق .
وأمّا القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب ، وإن وجهه ابن حجر بما ذكرنا ، لا يخفى سقوطه .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : دليل كل منهما قوي ، وأقربهما عندي : أنه يرجم فقط ، ولا يجلد مع الرجم لأمور :
منها : أنه قول جمهور أهل العلم . ومنها : أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز ، والجهنية ، والغامدية ، واليهوديين ، كلها متأخرة بلا شكّ عن حديث عبادة ، وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم ، ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدّد طرقها .
ومنها : أن قوله الثابت في الصحيح : ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن جزاء اعترافها رجمها ، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء ، وهو في الحديث الرجم فقط .
ومنها : أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات .
أضواء البيان — صفحة 398
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٩٨