لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة ، ومنه بهذا المعنى قوله هنا * ( لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) * وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة ، وهو قوله تعالى في الأنعام * ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) * أي حجتهم كما هو الظاهر .
واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين :
أحدهما : مرض بالنفاق والشك والكفر ، ومنه قوله تعالى في المنافقين * ( فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) * وقوله هنا * ( لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) * أي كفر وشك .
والثاني : منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى ، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى * ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ ) * أي ميل إلى الزنى ونحوه ، والعرب تسميى انطواء القلب على الأمور الخبيثة : مرضاً وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ ) * أي ميل إلى الزنى ونحوه ، والعرب تسميى انطواء القلب على الأمور الخبيثة : مرضاً وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى :
* حافظ للفرج راض بالتقى
* ليس ممن قلبه فيه مرض
*
وقوله هنا * ( وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) * قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله * ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) * وآية الحج هذه تبين أن ما أشهر على ألسنة أهل العلم ، من أن النَّبي هو من أوحى إليه وحي ، ولم يؤمر بتبليغه ، وأن الرسول هو النَّبي الذي أوحى إليه ، وأمر بتبليغ ما أوحى إليه غير صحيح ، لأن قوله تعالى * ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ ) * . يدل على أن كلاً منهما مرسل ، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النَّبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته ، وأن النَّبي المرسل الذي هو غير الرسول ، هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله ، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة ، كما بينه تعالى بقوله * ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ ) * وقوله في هذه الآية * ( فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ) * أي تخشع وتخضع وتطمئن .
أضواء البيان — صفحة 290
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩٠