والثانية : ألا يكون فيه طاعة لله ، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين :
أحدهما : ما هو معصية لله .
والثاني : ما ليس فيه معصية في ذاته ، ولكنه ليس من جنس الطاعة كالمباح الذي لم يؤمر به .
والذي يجب اعتماده بالدليل في الأقسام الثلاثة المذكورة : أن المنذور إن كان طاعة لله ، وجب الإيفاء به ، سواء كان في ندب كالذي ينذر صدقة بدراهم على الفقراء ، أو ينذر ذبح هدي تطوعاً أو صوم أيام تطوعاً ، ونحو ذلك . فإن هذا ونحوه ، يجب بالنذر ، ويلزم الوفاء به . وكذلك الواجب إن تعلق النذر بوصف ، كالذي ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها ، فإنه يجب عليه الإيفاء بذلك .
أما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس ، وصوم رمضان ، فلا أثر لنذره ، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر ، وإن كان المنذور معصية لله : فلا يجوز الوفاء به ، وإن كان جائزاً لا نهي فيه ، ولا أمر فلا يلزم الوفاء به .
أما الدليل على وجوب الإيفاء في نذر الطاعة وعلى منعه في نذر المعصية فهو : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ذلك .
قال البخاري رحمه الله في صحيحه : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مالك ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) اه . وهو ظاهر في وجوب الإيفاء بنذر الطاعة ، ومنع الإيفاء بنذر المعصية .
وقال البخاري أيضاً : حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن طلحة بن عبد الملك ، إلى آخر الإسناد والمتن المذكورين آنفاً .
وإذا علمت أن هذا الحديث الصحيح ، قد دل على لزوم الإيفاء بنذر الطاعة ، ومنعه في نذر المعصية .
فاعلم : أن الدليل على عدم الإيفاء بنذر الأمر الجائز : هو أنه ثبت أيضاً عن النَّبي صلى الله عليه وسلم .
قال البخاري رحمه الله في صحيحه : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا أيوب ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : ( بينا النَّبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم ، فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ، ولا يستظل ولا يتكلم ، ويصوم ،
أضواء البيان — صفحة 234
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٣٤