ما أنتم ملقون كما صرح به في ( الشعراء ) في قوله تعالى : * ( قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ ) * وذلك هو المراد أيضاً بقوله في ( الأعراف ) * ( قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ ) * .
تنبيه
قول موسى للسحرة : ألقوا المذكور في ( الأعراف ، وطه ، والشعراء ) فيه سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف قال هذا النَّبي الكريم للسحرة ألقوا . أي ألقوا حبالكم وعصيكم ، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله ، وهذا أمر بمنكر ؟ والجواب هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام ، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر ، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم . فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل . ولأجل هذا قال لهم : ألقوا ، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا ، والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) * . قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر * ( تخيَّل ) * بالتاء ، أي تخيل هي أي الحبال والعصي أنها تسعى . والمصدر في ( أنها تسعى ) بدل من ضمير الحبال والعضي الذي هو نائب فاعل * ( تخيل ) * بدل اشتمال . وقرأ الباقون بالياء التحتية . والمصدر في * ( سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) * نائب فاعل * ( يُخَيَّلُ ) * .
وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه ، والتقدير : قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . وبه تعلم أن الفاء في قوله * ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ ) * عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله : * وحذف متبوع بدا هنا استبح
و ( إذا ) هي الفجائية ، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والحبال : جمع حبل ، وهو معروف . و ( العصي ) جمع عصا ، وألف العصا منقلبة عن واو ، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية : ومنه قول غيلان ذي الرمة :
أضواء البيان — صفحة 34
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٤