تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( ومن هم بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة ) الحديث ، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي ، ووجه هذا ظاهر . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله * ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ) * العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه ، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها . والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزماً مصمماً عليه أنها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قالوا : يا رسول الله ، قد عرفنا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : ( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) فقولهم : ما بال المقتول : سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل ، فبين النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) أن ذنبه الذي أدخله النار ، هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم . وقد قدمنا مراراً أن إن المكسورة المشددة : تدل على التعليل كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه . ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه ، ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل ، بسبب طير أبابيل * ( تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ) * لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم ، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه ، والعلم عند الله تعالى . والظاهر أن الضمير في قوله * ( فِيهِ ) * راجع إلى المسجد الحرام ، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك . والله تعالى أعلم . * ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّ نْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الاٌّ نْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاٌّ وْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ) * قوله تعالى : * ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) * . أي اذكر حين بوأنا ، تقول العرب : بوأت له منزلاً ، وبوأته منزلاً ، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى : هيأته له ، ومكنت له فيه ، وأنزلته فيه ، فتبوأه : أي نزله ، وتبوأت له منزلاً أيضاً هيأته له ، وأنزلته فيه فبوأه المتعدي بنفسه ، كقوله تعالى * ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً ) * وقوله * ( وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة ) * ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي :