ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروحَ ويُؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) الحديث . ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه صلى الله عليه وسلم بأن الجنين يمكث أربعين يوماً نطفة ، ثم يصير علقة ، ويمكث كذلك أربعين يوماً ، ثم يصير مضغة ويمكث كذلك أربعين يوماً ثم ينفخ فيه الروح ، فنفخ الروح إذاً في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل .
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه : حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك حدثنا شعبة ، أنبأني سليمان الأعمش ، قال : سمعت زيد بن وهب ، عن عبد الله قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال ( إن أحدكم يجمع في بطن أمهِ أربعين يوماً ثم علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأَربعٍ : برزقه وأجله وشقي أو سعيد ) الحديث ، وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل ، وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة . وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور والله أعلم .
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف : وهو أن يقال : ما وجه الإفراد في قوله * ( يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) * مع أن المعنى نخرجكم أطفالاً . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة .
منها ما ذكره ابن جرير الطبري قال : ووحد الطفل وهو صفة للجمع ، لأنه مصدر مثل عدل وزور وتبعه غيره في ذلك .
ومنها قول من قال * ( نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) * أي نخرج كل واحد منكم طفلاً ، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مراداً به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية ، وتعريفه بالألف واللام ، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى * ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) * أي وأنهار بدليل قوله تعالى * ( فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ ) * وقوله * ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) * أي أئمة وقوله تعالى * ( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً ) * أي أنفساً وقوله تعالى * ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ ) * أي سامرين وقوله تعالى * ( لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ) * أي بينهم وقوله تعالى * ( وَحَسُنَ أُولَائِكَ رَفِيقاً ) * أي رفقاء وقوله تعالى * ( وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ) * أي جنبين أو أجناباً وقوله تعالى * ( وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَالِكَ ظَهِيرٌ ) * أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري :
* وكان بنو فزارة شرَّ عم
* وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا
*
يعني شر أَعمام : وقول قعنب ابن أم صاحب : يعني شر أَعمام : وقول قعنب ابن أم صاحب :
* ما بال قوم صديق ثم ليس لهم
* دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا
*
أضواء البيان — صفحة 272
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٧٢