تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
والأموال والأولاد هي الخلاق ، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم في الدنيا ، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به . ولو أرادوا بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة ، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجل ، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها . ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال : * ( فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ ) * فدل هذا على أن حكمهم حكمهم ، وأنهم ينالهم ما ينالهم ، لأن حكم النظير حكم نظيره . ثم قال : * ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ ) * . فقيل ( الذي ) صفة لمصدر محذوف ، أي كالمخوض الذي خاضوا وقيل : لموصوف محذوف . أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض . وقيل : ( الذي ) مصدرية ( ما ) أي كخوضهم . وقيل : هي موضع الذين . والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاف وبين الخوض بالباطل . لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض ، أو يقع بالعمل ، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق . فالأول البدع . والثاني اتباع الهوى ، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء ، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب ، ودخلت النار وحلت العقوبات . فالأول من جهة الشبهات ، والثاني من جهة الشهوات ، ولهذا كان السلف يقولون : احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعجبته دنياها وكانوا يقولون : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه ، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم . وفي صفة الإمام أحمد رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره ، وبالماضين ما كان أشبهها أتته البدع فنفاها ، والدنيا فأباها . وهذه حال أئمة المتقين ، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله : * ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِأايَاتِنَا يُوقِنُونَ ) * فبالصبر تترك الشهوات ، وباليقين تدفع الشبهات ، كما قال تعالى : * ( وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الاٌّ يْدِى وَالاٌّ بْصَارِ ) *