تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
الآية أصل في الهجرة والعزلة ، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام ، وذلك حين خلصه الله من النار قال : * ( إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى ) * أي مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي * ( فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) * فيما نويت إلى الصواب . وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك العالمين في الأرض المذكورة ، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله : * ( إِلَى الاٌّ رْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) * بينه في غير الموضع . كقوله : * ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الاٌّ رْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ) * ، وقوله تعالى : * ( سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاٌّ قْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) * . ومعنى كونه ( بارك فيها ) . هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار . كما قال تعالى : * ( لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاٌّ رْضِ ) * ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها . وقال بعض أهل العلم : ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس . وجاء في ذلك حديث مرفوع ، والظاهر أنه لا يصح . وفي قوله تعالى : * ( إِلَى الاٌّ رْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ) * أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا . وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه واجب . وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك . قوله تعالى : * ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق ، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وأنه جعل الجميع صالحين . وقد أوضح البشارة بهما في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى : * ( وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) * ، وقوله : * ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ ) * . وقد أشار تعالى في سورة ( مريم ) إلى أنه لما هجر الوطن والأقارب عوضه الله من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة ، وذلك في قوله : * ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً ) * . وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( نَافِلَةً ) * قال فيه ابن كثير : قال عطاء ومجاهد : نافلة عطية . وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة : النافلة : ولد الولد ، يعني أن