وقال سلامة بن جندل الطهوي :
* عجلتم علينا عجلتينا عليكم
* وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
*
وفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار . لأنهم عاكفون على ذكر أصنام لا تنفع ولا تضر ، ويسوءهم أن تذكر بسوء ، أو يقال إنها لا تشفع ولا تقرب إلى الله . وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية فهم به كافرون لا يصدقون به ، فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا من النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي اتخذوه هزؤا ، فإنه محق وهم مبطلون . فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة فاعلم أن هذا المعنى الذي دلت عليه جاء أيضاً مبيناً في سورة ( الفرقان ) في قوله تعالى : * ( وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَاذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) * فتحقيرهم لعنهم الله له صلى الله عليه وسلم المذكور في قوله في ( الأنبياء ) في قوله : * ( أَهَاذَا الَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) * هو المذكور في قوله في ( الفرقان ) : * ( أَهَاذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ) * . وذكره لآلهتهم بالسوء المذكور في ( الأنبياء ) في قوله : * ( يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَانِ ) * هو المذكور في ( الفرقان ) في قوله : * ( إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا ) * أي لما يبين من معائبها ، وعدم فائدتها ، وعظم ضرر عبادتها . قوله تعالى : * ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَاتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) * . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول . فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( مِنْ عَجَلٍ ) * فيه للعلماء قولان معروفان ، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما . أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته : فهو قول من قال : العجل الطين وهي لغة حميرية . كما قال شاعرهم : مِنْ عَجَلٍ ) * فيه للعلماء قولان معروفان ، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما . أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته : فهو قول من قال : العجل الطين وهي لغة حميرية . كما قال شاعرهم :
* البيع في الصخرة الصماء منبته
* والنخل ينبت بين الماء والعَجَل
*
يعني : بين الماء والطين . وعلى هذا القول فمعنى الآية : خلق الإنسان من طين ، كقوله تعالى * ( أَءَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) * ، وقوله : * ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ ) * . والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده : * ( فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) * ، وقوله : * ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) *
أضواء البيان — صفحة 149
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٤٩