وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ ) * الحي : المتصف بالحياة الذي لا يموت أبداً . والقيوم صيغة مبالغة . لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شؤون جميع الخلق . وهو القائم على كل نفس بما كسبت . وقيل : القيوم الدائم الذي لا يزول . قوله تعالى : * ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فإنه لا يخاف ظلماً ولا هضماً . وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع . كقوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) * ، وقوله : * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) * إلى غير ذلك من الآيات ، كما قدمنا ذلك .
وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم : بأن الظلم المنع من الحق كله . والهضم : النقص والمنع من بعض الحق . فكل هضم ظلم ، ولا ينعكس . ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي : وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم : بأن الظلم المنع من الحق كله . والهضم : النقص والمنع من بعض الحق . فكل هضم ظلم ، ولا ينعكس . ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي :
* إن الأذلة واللئام لمعشر
* مولاهم المتهضم المظلوم
*
فالمتهضم : اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها . وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير * ( بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ) * بضم الفاء وبألف بعد الخاء مرفوعاً ولا نافية . أي فهو لا يخاف ، أو فإنه لا يخاف . وقرأه ابن كثير ( فلا يخف ) بالجزم من غير ألف بعد الخاء . وعليه ف ( لا ) ناهية جازمة المضارع . وقول القرطبي في تفسيره : إنه على قراءة ابن كثير مجزوم . لأنه جواب لقوله * ( وَمَن يَعْمَلْ ) * غلط منه رحمه الله . لأن الفاء في قوله * ( فَلاَ يَخَافُ ) * مانعة من ذلك . والتحقيق هو ما ذكرنا من أن ( لا ) ناهية على قراءة ابن كثير ، والجملة الطلبية جزاء الشرط ، فيلزم اقترانها بالفاء . لأنها لا تصلح فعلاً للشرط كما قدمناه مراراً .
وقوله تعالى : * ( وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ) * .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ( الكهف ) فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
* ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً * وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا ياأادَمُ إِنَّ هَاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ ياأادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى ) * قوله تعالى : * ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً ) *
أضواء البيان — صفحة 102
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٠٢