وإيضاح ذلك في الحديث أن مفهوم قوله ( فهو بخير النظرين ) أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعاً من إعطاء الدية أنه يجبر على إعطائها . لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما . والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله من القتل . وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول ، وعقده في ( مراقي السعود ) بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب ، أعني مفهوم المخالفة :
* أو جهل الحكم أو النطق انجلب
* للسؤل أو جري على الذي غلب
*
ومحل الشاهد قوله ( أو جري على الذي غلب ) إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها .
قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة : أو ولي المقتول هو المخير بين الأمرين ، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها . لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك ، ودلالة الآية المتقدمة عليه ، ولأن الله يقول : * ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ) * ، ويقول : * ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) * .
ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صوناً لماله للوارث أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب ، ويجبره على صون دمه بماله .
وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له : أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك يجاب عنه بأنه لو قال : أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك . لنص الحديث ، والآية المذكورين .
ولو قال له : أعطني كذا غير الدية لم يجبر . لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الخامسة جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات :
الأولى : العمد ، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا .
والثانية : شبه العمد ، والثالثة : الخطأ .
وممن قال بهذا : الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ، وأحمد ، والشافعي . ونقله في المغني عن عمر ، وعلي رضي الله عنهما ، والشعبي والنخعي ، وقتادة ، وحماد ، وأهل العراق ، والثوري ، وغيرهم .
وخالف الجمهور مالك رحمه الله فقال : القتل له حالتان فقط . الأولى العمد والثانية الخطأ . وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد . واستدل رحمه الله بأن الله لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطأ . بل
أضواء البيان — صفحة 99
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٩٩