تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
َ رَمْزًا ) * ، وقوله : * ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ ) * . فدل ذلك على أن الإشارة ليست كالكلام . والآية الأولى أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ ، لأن الآية الثانية محتملة لكون الإشارة كالكلام ، لأن استثناءه تعالى قوله * ( إِلاَّ رَمْزًا ) * من قوله * ( أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ) * يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه ، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال . والله تعالى أعلم . فإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة ، هل هي كاللفظ أو لا فاعلم أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة ، هل تنزل اللفظ أولاً . وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى جملاً من أقوال أهل العلم في ذلك ، وما يظهر رجحانه بالدليل . قال ابن حجر رحمه الله تعالى في ( فتح الباري ) في آخر ( باب الإشارة في الطلاق والأمور ) ما نصه : وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة . فأما في حقوق الله فقالوا : يكفي ولو من القادر على النطق . وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه . ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوساً من نطقه . وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت ، ورجحه الطحاوي . وعن الأوزاعي إن سبقه كلام ، ونقل عن مكحول إن قال : فلان حر ثم أصمت فقيل له : وفلان ؟ فأومأ صح . وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم منه مقام النية ، كما لو طلق امرأته فقيل له : كم طلقة ؟ فأشار بأصبعه انتهى منه . وقال البخاري في أول ( باب اللعان ) ما نصه : فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز الإشارة في الفرائض . وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم ، وقال تعالى : * ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيّاً ) * . وقال الضحاك : * ( إِلاَّ رَمْزًا ) * إشارة . وقال بعض الناس : لا حد ولا لعان . ثم زعم أنه إن الطلاق بكتاب أو إشارة أو إيماء جائز وليس بين الطلاق والقذف فرق ، فإن قال : القذف لا يكون إلا بكلام قيل له : كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق . وكذلك الأصم يلاعن . وقال الشعبي وقتادة : إذا قال أنت طالق فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته . وقال إبراهيم : الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه . وقال حماد : الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز : انتهى محل الغرض من كلام البخاري رحمه الله .