طيّه للمراحل اللاحقة ، إذ إنّه طوى عالم الجسم ودخل في مُلك الروح . وحان زمن السفر الأعظم والسفر من عالم النفس والروح ، والانتقال من دولة الملكوت إلى مملكة الجبروت واللاهوت وغيرها .
الذِّكر والتفكّر والتضرّع أساس طريق السير ، بعد الانتقال من عالم إلى ملك الجبروت
وأساس طريق السير في هذه المرحلة يتمثّل بعد مبايعة الشيخ البصير في الذِّكر والتفكّر والتضرّع والابتهال والتبتّلو البكاء :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
[ الآية 8 ، من السورة 73 : المزّمل ] ،
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
[ الآية 205 ، من السورة 7 : الأعراف ] .
ومن هنا فقد قال ربّ العالمين بأنّ ذِكره أكبر من الصلاةِ التي هي عمود الدِّين ، وقال الصادق عليهالسلام بأنّ التفكّر أفضل العبادة ، وأنّ تفكّر ساعة واحدة أفضل من عبادة سبعين سنة . « 1 »
في أنّ الصلاة أسمى من كلّ موضوع آخر
هامش
( 1 ) - لقد فسّر الكثير من الأعلام الآية المباركة على النحو الذي فسّرها به المصنّف رحمه الله ، فقالوا بأنّ ذِكر الله أكبر من الصلاة .
بَيدَ أنّ هذا المطلب لا يمكن القبول به ، لُامور :
أوّلها : أنّ الصلاة هي بذاتها ذِكر ، بل من أعظم مصاديق الذِّكر ، لأنّ روح الصلاة في جميع أفعال الصلاة وأقوالها هو حضور القلب ، وهو حقيقة الذكر .
وثانيها : أنّ هذه الآية ، أي الآية 45 ، من السورة 29 : العنكبوت :وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، لا تقول بأنّ ذِكر الله أكبر من الصلاة . بل وردت جملة وَلَذِكْرُ اللهِ تعليلًا للجملة السابقة .
أي أنّها تريد القول بأنّ الصلاة التي هي بذاتها ذِكر تنهى عن الفحشاء والمنكَر لأنّها ذِكر الله الأكبر . وأنّ الصلاة أكبر وأشدّ تأثيراً في النهي عن الفحشاء والمنكر من أيّ شيء آخر .
فإن لم نعتبر الجملة تعليليّة ، فإنّ معناها سيبقى : أنّ الصلاة التي هي ذِكر الله أكبر من الفحشاء والمُنكر ، وأنّ ذِكر الله ( أي الصلاة ) أكبر وأعلى من كلّ لذّة وسرور غير مشروعَين .
وثالثها : أنّ مذاق الشرع والرسول ( الذي جاء بهذه الآية ) يفيدان أنّ الصلاة أكبر وأعلى من كلّ عمل وموضوع ؛ فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ . وقال : الصَّلَاةُ مِيزَانٌ ، مَنْ وَفي اسْتَوْفي . وقال : الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ . وقال : إنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ عَمُودِ الفُسْطَاطِ . وقال : أوَّلُ مَا يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ الصَّلَاةُ . وقال : الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيّ .
وأصرحُ منها جميعاً ما رواه الكلينيّ في « الكافي » ج 3 ، ص 264 ، عن معاوية بن وَهَب قال :
سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أفْضَلِ مَا يَتَقَرَّبُ العِبَادُ إلى رَبِّهِم وَأحَبِّ ذَلِكَ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : مَا أعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ المَعْرِفَةِ أفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، ألَا تَرَى أنَّ العَبدَ الصَّالِحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ : « وَأوْصَانِي بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَادُمْتُ حَيًّا » .