- 50 -
باب
النجوم ( 1 )
هامش
( 1 ) قوله « باب النجوم » المراد من النجوم هنا أعم من الحساب والأحكام ، وأما الحساب فمبني على كون حركات الكواكب مضبوطة لم تتغير من أقدم العصور إلى زماننا ، مثلا الشمس تجري دورة كاملة بحركتها الخاصة وتتمها في ثلاثمائة وستين يوما وخمس ساعات وبضع وخمسين دقيقة ، وهذا المقدار ثابت لا يتغير في ألوف من السنين تبطي في الصيف وتسرع في الشتاء بمقدار ثابت مدى الدهور بحيث لا يتفاوت مقدار بطؤها في السنين ، وهكذا جميع السيارات والثوابت كما قال الله تعالى كل يجري لأجل مسمى فإذا كان مقدار الحركة بهذه الدقة منظمة أمكن للمنجمين تعيين مواضع الكواكب في كل وقت وتقدير أبعاد كل واحد من الآخر كذلك ، وبذلك صح لهم استخراج الخسوف والكسوف ورؤية الأهلة وغيرها ، مثلا إذا علمنا بالتجربة مقدار سير الشمس في كل يوم وساعة ودقيقة وكذلك سير القمر في الطول والعرض كما قال تعالى كل يجري لأجل سمى جاز لنا الإخبار بأنهما في الساعة الفلانية يجتمعان في جزء من الفلك فينكشف أحدهما بالآخر ، وما ورد في الأخبار من تعليل الكسوف بغير هذه العلة فقال الصدوق ( ره ) هو غير الكسوف الذي يخبر به المنجمون ، وقال المجلسي ( ره ) في المرآة يؤيد كلامه ما روى من الكسوف والخسوف يوم عاشوراء وليلتها ، وورد أيضا في الاخبار أن من علامات قيام القائم كسوف وخسوف في غير زمانهما ، انتهى .
ولا يستبعد الكسف بحيلولة أجسام أخر اتفاقية بيننا وبين الشمس غير حيلولة القمر ، وقال الصدوق ( ره ) : وانما يجب الفزع فيه إلى المساجد والصلاة لأنه آية تشبه آيات الساعة ، إنتهى ، يعني أن نفس الكسوفين ليسا من آيات العذاب والهلاك وإنما يذكر بهما الكسوفان الأعظمان أعني محو أصل نور الشمس في القيامة وإنما يصلي لأن الشيء بالشيء يذكر .
واعلم أن الاخبار بالكسوفين ورؤية الأهلة وسائر حركات الكواكب يتوقف على الانضباط المشهور فيها ، فإنا ما رأينا ولا سمعنا في وقت من الأوقات من أقدم العصور إلى عصرنا أن القمر سار البروج وتم الدورة في أربعين يوما مثلا أو الشمس في أربعمائة يوم لأن الله تعالى جعلهما لعلامة السنين والحساب كما ورد في القرآن ، ولو كان سيرهما مختلفا لاختل الآجال والعدد ، وقال تعالى ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ، ولو كان سير القمر مختلفا وفي كل شهر مقدارا غير مقداره في شهر آخر لم يستقم المواقيت ولا يوجب استمرار الحركة فعلا على طريقة واحدة عدم امكان الخرق والالتيام والحركة المستقيمة على الأفلاك ، وقال بعض المحدثين في ذم جماعة لا يرهبون من الكسوفين ويسندون الكسوفين إلى حركات الأفلاك انه لتقليد جمع من ملحدة الفلاسفة في عدم تجويز الخرق والالتيام على الأفلاك ، وعدم الاختلاف في حركات الأفلاك وعدم تجويز الحركة المستقيمة . . . الخ ، وهذا لو كان حقا لزم منه الطعن في أكثر علماء الاسلام كالشيخ البهائي والسيد المرتضى وكل من صرح بصحة ما يبتنى على الحساب من النجوم ، وتعلم أن الخرق والالتيام والحركة المستقيمة لا ربط لهما بالخسوفين ، وعرفت أيضا أن عدم الاختلاف في حركات الأفلاك مشهود محسوس مؤيد بالقرآن قال به جميع العلماء من العامة والخاصة ، ونعلم قطعا أنهم لم يقلدوا ملاحدة الفلاسفة .
قال الشيخ البهائي ( قدس سره ) في تشريح الأفلاك : وإذا اجتمع بها أي القمر بالشمس عند الرأس والذنب حال بيننا وبينها وسترها كلا أو بعضا وهو الكسوف ، وإذا استقبلها كذلك حالت الأرض بينهما ووقع كله أو بعضه داخل مخروط ظلها وهو الخسوف ، إنتهى ، أترى أن الشيخ ( ره ) كان كافرا لتقليد ملاحدة الفلاسفة ، ونعلم أنه كان أعلم عصره في علوم الدين وأبصر بمعاني القرآن وأخبار الأئمة الطاهرين ، وكان موقعة في الدين أعظم ، ونظير كلام البهائي منقول من جماعة عظيمة لا يجوز تكفيرهم ، ونسبة السهو إلى واحد من الناس أسهل من نسبة الكفر والإلحاد إلى جميع العلماء ، ورأينا في الإخباريين من نسب مثل الشيخ الطوسي والعلامة ( ره ) والشهيدين خصوصا الثاني والنجاشي والغضائري إلى الضلال وعدم الاعتقاد في الأئمة عليهم السلام - نعوذ بالله من الغرور - وهل الدين إلا ما بينه لنا هؤلاء ؟ وهل عرفنا الأئمة عليهم السلام إلا بالأدلة التي أقاموا وبالحجج التي ذكروها في كتبهم ؟ وقيل إن جميع من رماه علماء الرجال بالغلو لم يكن تقصيرهم إلا نقل المعجزات ، فراجع ترجمة سعد ابن عبد الله ، وانما ينقمون منهم لأنهم قسموا الأخبار إلى صحيح وسقيم وتبرأوا من النجاشي والغضائري وغيرهما لأنهم ضعفوا جماعة من رواة الأخبار .
قال الغزالي في تهافت الفلاسفة ، القسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم منازعتهم فيه كقولهم ان كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس ، والأرض كرة والسماء محيط بها من الجوانب ، فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس ، وكقولهم ان كسوف الشمس معناه وقوف في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس ، إلى أن قال : ومن ظن أن المناظرة في هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره فان هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة ، فمن يطلع عليها إذا قيل له ان هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وانما يستريب في الشرع ، وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه وهو كما قيل : عدو عاقل خير من صديق جاهل ، إنتهى . « ش » .