- 35 -
باب
ثواب المريض ( 1 )
هامش
( 1 ) قوله « باب ثواب المرض » جرى المصنف ها هنا على اللفظ المتعارف بين الناس لا على اصطلاح المتكلمين ، لأن المتكلمين يفرقون بين الثواب والعوض ويخصون الثواب بالعمل الاختياري كالصلاة والصدقة والعوض بالآفات والعاهات والبلايا وكلاهما واجب في مذهب أهل العدل ، فكل كلفة ومشقة تصل إلى الإنسان وكان سببه من الله تعالى وجب عليه تعالى جبرانه بشيء يستدرك تلك المشقة وتركه قبيح عليه ، ومن ذلك العمل الباطل كما إذا صام شهر رمضان باستصحاب طهارة وقلنا بوجوب القضاء عليه فإنه يثاب بالصيام الباطلة كما يثاب بالصيام الصحيحة وان وجب عليه القضاء لأن سبب تكلف الصائم من الله تعالى والمكلف إنما صام باستصحاب الطهارة إطاعة لأمره ، فوجب عليه تعالى استدراك هذه المشقة ، وهكذا إذا سافر إلى الحج وتحمل مشقات السفر ومات قبل الميقات فقد وقع أجره على الله كما قال تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ، وهذا كله في الأعمال الاختيارية ، أما الآفات والأمراض فكونها من الله تعالى واضح ويجب عليه العوض كما قال النبي صلى الله عليه وآله : « لكل كبد حراء أجر » ، وقال : « إن الرجل ليثاب حتى بالشوكة تصيب رجله » ، والعوض والثواب كلاهما على سبيل الاستحقاق .
وقد ورد في موارد لا يستحق العبد شيئا وهو التفضل كوصول نفع إلى الميت بعمل أخيه المؤمن كالحج الاستيجاري والصلاة والصوم نيابة عنه ، وقد أورد في التجريد وسائر كتب المتكلمين باب في الأعواض .
قال المحقق الطوسي : ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير وانزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب أو ظن إلا ما تستند إلى فعل العبد وأمره عباده بالمضار وإباحة أو تمكين غير العاقل ، انتهى .
وحاصل كلام العلامة رحمه الله ان العوض في خمسة أشياء : الأول : انزال الآلام بالعبد ، الثاني : تفويت المنافع ، الثالث : إنزال الغموم المستند سببها إلى الله تعالى ، الرابع : أمر الله تعالى بإيلام الحيوان وإباحة ، الخامس : تمكين غير العاقل مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام ، وقال المحقق الطوسي أيضا : لا يجوز تمكين الظالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه ، فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات أو تفضل عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزء من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بان يفرق الناقص على الأوقات ، انتهى ، وإنما قيد بالتفريق لئلا يتألم بانقطاع العوض ويستحق عوضا إلى غير النهاية .
وقال أيضا : والعوض عليه تعالى يجب تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل ، وقال العلامة ( ره ) : من فعل الشاق المكلف به فإنه يستحق التعظيم والمدح ، وقال أيضا : المقتضي لاستحقاق الثواب هو المشقة فإذا انتفت انتفى المقتضى ، ورأينا جماعة في عصرنا ينكرون استحقاق الثواب على مقدمة الواجب كالسفر إلى الحج إن أدركته المنية في الطريق ويرون استحقاق الميت أجر فعل النائب ، وإنما دعاهم إلى ذلك عدم تدبرهم وجهلهم بأصول مذهب الإمامية أيدهم الله تعالى ، ورأيت بعض مشاهير الفقهاء ينكر استحقاق الثواب ويصر على اثبات أن كل ثواب تفضل ويزعم أنه تحقيق بديع لم ينتبه له أحد قبله ، ولا يعلم أن هذا مذهب أبي القاسم البلخي ذكره متكلمونا وبينوا بطلانه وأشار إليه المحقق الطوسي ( ره ) ، وايجاب المشقة في شكر النعمة قبيح . « ش » .