- 78 -
باب
جواز أن يجعل المهر تعليما أو عتقا
21551 - 1 ( الكافي 5 : 380 ) محمد ، عن الأربعة ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال « جاءت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقالت :
زوجني ، فقال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم : من لهذه فقام رجل فقال : أنا ( 1 ) يا رسول اللَّه زوجنيها ، فقال : ما تعطيها فقال : ما لي شيء ،
هامش
( 1 ) قوله « فقام رجل فقال أنا . . . » وفي طرق العامة عن سهل الساعدي على ما في صحيح البخاري ، قال سهل جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت : يا رسول الله جئت أهب لك نفسي ، قال فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست ، فقام رجل من أصحابه فقال : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال : وهل عندك من شئ ؟ قال لا والله يا رسول الله ، فقال : إذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا ، فذهب ثم رجع فقال لا والله ما وجدت شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : انظر ولو خاتما من حديد ، فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري ، قال سهل ماله رداء فلها نصفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شئ وإن لبسته لم يكن عليك شئ ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله موليا ، فأمرته فدعي ، فلما جاء قال ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وسورة كذا عددها ، فقال تقرأهن على ظهر قلبك ؟ قال نعم ، قال إذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، إنتهى . قال المجلسي رحمه الله في المرآة مضمونه مشهور في طرق الخاصة والعامة واستفيد منه أحكام :
الأول : وقوع القبول من الزوج بلفظ الأمر واختلف في صحته فذهب ابن إدريس والعلامة في المختلف وجماعة إلى عدم الصحة ونزله الشهيد رحمه الله على أن الواقع مع النبي صلى الله عليه وآله قائم مقام الإيجاب والقبول معا لثبوت الولاية ، واعترض عليه بأنه يشترط صدورهما . معا من الولي ومنهم من نزله على إن الزوج قبل بعد إيجابه وإن لم ينقل وهو بعيد .
الثاني : تقديم القبول على الإيجاب .
الثالث : الفصل بين الإيجاب والقبول وهو خلاف المشهور ، وربما يوجه بأنهما كانت من مصلحة العقد وإنما يضر الكلام الأجنبي ويظهر من التذكرة جواز التراضي بأكثر من ذلك فإنه اكتفى بصدورهما وهو في مجلس واحد .
الرابع : جواز جعل تعليم السورة مهرا واختلف فيه والأشهر الجواز ، إنتهى كلام المرأة .
أقول : والأظهر إن ما يستدل به من مثل هذه الروايات أن ثبتت حجيتها حاصل المعنى وجملة المضمون الذي جرت عادة الناس بحفظه وضبطه لا خصوصيات الألفاظ والكلمات لاختلافها ولأن نقل عين الألفاظ المسموعة بعيد جدا ، وقد ذكرنا في الكتاب الأول ان الرواة كانوا ينقلون حاصل المعنى ويحفظونه دون دقائق الألفاظ ولذلك فلما يوافق خبر واحد نقل بروايتين بلفظ واحد ، فإذا توقف الإحتجاج فيما نقل بألفاظ مختلفة على خصوصيات الألفاظ فالوجه التوقف والرجوع إلى القواعد وليس الأمر في الاحتجاج بالروايات كالقرآن ، ولذلك لم يحتجوا بهذا الخبر للاكتفاء بلفظ الأمر في القبول ولا بصيغة المستقبل في الإيجاب لوروده في رواية أبان بن تغلب في المتعة وغيرها ، ولم يكتفوا بلفظ نعم في القبول مع أنهم عملوا بالروايتين في مفادهما ولذلك منع العلامة « ره » في المختلف عن لفظ الأمر في الإنشاء لبعده عنه وعن لفظ المستقبل لبعده عن الإنشاء واحتماله الوعد إذا تحقق ذلك ، فنقول أما أصل الاحتياج إلى اللفظ فللإجماع على أن الرضا القلبي لا يكفي في تحليل الفروج وهو ضروري ، وقد دل عليه أخبار كثيرة يستفاد منها وقوع الزنا مع التراضي ، ولكن يكفي الرضا في تحليل الأموال ، وهذا أيضاً اجماعي ، وأما وقوع المعاملات حتى يترتب عليها أحكامها كالبيع والإجازة والهبة والنكاح وغيرها ، فلا يقع بالقصد الباطني والرضا بها ، وهو واضح مجمع عليه ، فإذا مضى على رجلين سنون كثيرة وهما راضيان بأن يبيع أحدهما داره والآخر يشتريها لا يتحقق البيع وأحكامه بصرف الرضا ، وكذلك تراضي الزوجين بالنكاح سنين لا يوجب وقوع العقد ، فبقي أن يكون المؤثر هو الإنشاء وإيجاد المعاملة بمفهومها المعروف في القلب لأشياء أعم منها أو أخص أو ما يناسبها في الجملة ولا ريب إن المقاصد القلبية لا تعرف بنفسها لعدم ظهورها ، ولا بد أن يكون الحكم الشرعي بوقوع المعاملة بعد العلم بحصولها ولا يعلم المقصود إلا بالألفاظ ، فلا بد من اللفظ الصريح في إنشاء معاملة خاصة ، فإن قيل قد يستفاد المقاصد من غير دلالة ألفاظ بعينها بل بأفعال تدل عليها مع القرائن قلنا تلك الأفعال والقرائن غير منضبطة لا يمكن أن يعلق عليها أحكام الشرع ، وأظهر ما توهم بعضهم الاكتفاء به هو المعاطاة في عقد البيع ولا تدل عليه البتة ، فإذا أعطى رجل متاعه لآخر احتمل أن يكون أعطاه لينظر فيه أو يعيره أو يؤجر أو يرهن أو يهب وغير ذلك مما لا يتناهى من المقصود ، فإذا أعطى شيئا احتمل جميع ذلك في الطرفين ، ولذلك قالوا إن الأفعال قاصرة عن الدلالة على المعاني ، نعم قد يجتمع قرائن كثيرة تنظم إلى المعاطاة تدل على القصد ، مثل أن يكون الرجل سوقيا جالسا في دكانه وعادته بيع أمتعة يجئ مشتر ويساوم في مقدار الثمن والمبيع فينفذ المال ويأخذ المبيع فليس الدال حينئذ المعاطاة فقط بل هذه القرائن ، فلو كان هذا الرجل في داره وجاءه رجل وأعطاه ثمنا وأخذ متاعا ولم يتكلما بشئ ثم ادعى البائع أني ما بعته بل أردت أن أعيره المتاع وأخذت الثمن رهنا قبل منه في العرف ، وكذلك إذا لم يكن دعاته في الحانوت بيع أمتعته بل كان ممن قد يؤجر متاعه وقد يبيع كما قد يتفق لبائعي الكتب والفروش والألبسة وأثاث البيت وأعطى متاعا وأخذ ثمنا وادعى الإجارة وأخذ الثمن رهنا جاز ولم يستبعد ، فثبت أن المعاطاة بنفسها لا تدل على البيع إلا إذا انضمت إلى القرائن غير منضبطة لا يمكن أن يبتنى عليها أحكام الشرع بعد الإجماع على أنه لا يكفي القصد أعني قصد المعاملة بدون دلالة عليها إذا تحقق ذلك فنتكلم في اللفظ الصريح في الإنشاء فنقول : ثبت الاكتفاء في الطلاق بالجملة الإسمية ، كقوله : امرأتي طالق ، وفي العتق بقوله : أنت حر ، ولم يثبت في النكاح بأن تقول الزوجة : أنا زوجتك ، ولا في البيع بقول البائع : هذه الدار لك ، بمائة دينار مثلا ، ولا صيرفيه فإن استعمال الجملة الإسمية في الإنشاء مجاز والمجاز لا يجب أن يكون مطردا ، وقد جعل الأصوليون عدم الإطراد من علائم المجاز ، ألا ترى أنه يصح إطلاق الرقبة على العبد مجازا ، ولا يصح اطلاق الجيد عليه ، ويصح اطلاق اليد على النعمة ولا يصح اطلاق الجارحة وهكذا ، فجاز أن يصح في الكلام العربي إطلاق الجملة الإسمية في الطلاق لا في البيع والنكاح ، وأما لفظ المستقبل فلم يثبت استعماله في الإنشاء لا لكونه عقلا محالا بل لأنا لا نعلم أنه مما يجيزه العرب ، والحق أنه لا يصح استعمال كل لفظ في كل معنى يناسب معناه الحقيقي إلا أن يثبت الوضع النوعي في تلك اللغة ، وقد يصح مجاز في لغة ولا يصح في لغة أخرى لعدم الوضع النوعي كما مر ، فتبين أنه لا يجوز الإنشاء بالجملة الإسمية إلا فيما ثبت فيه الوضع النوعي ، ويكتفي فيما سواه بالماضي ، ولا يجوز المستقبل في الإنشاء بحال ، وأما الأمر والاستفهام فلا يدل على ايجاد المعاملة بل على طلب ايجادها ، والطلب غير الفعل لا يجوز استعمال كل انشاء في انشاء آخر ، ولا يقال في مقام الترجي ليت وهل ولا في مقام الاستفهام لعل وإن كان جميعها انشاء وطلبا ، وكذلك الأمر انشاء ، والعقد انشاء ولا يصح استعمال أحدهما في الآخر ، ولا يفهم من هذا مفاد ذاك ، وهذا واضح .
ثم إنا نقول يجب أن يكون اللفظ من حيث المادة صريحا في المعاملة المطلوبة ، فلو كان أعم لم يجز لعدم الدلالة ، مثل أن يقول أعطيتك هذه الدار أو ملكتك ، فإن الإعطاء ، والتمليك أعم من البيع ، ومن هذه الجهة يستشكل في العقود بغير اللفظ العربي ، إذ لا يوجد غالبا في غير اللغة العربية لفظ مرادف لهذه المعاملات المستعملة فيها كالطلاق ، إذ ليس في الفارسية لفظ يرادفه بحيث لا يحتمل غيره ، وأما مثل لفظ بله ورها فان هاتين الكلمتين أقرب إلى الترك والإرسال والإطلاق في كلام العرب فكما لا يصح الاكتفاء بلفظ تركت وخليت أو أنت خلية ومتروكة ومطلقة بسكون الطاء في الطلاق لكون جميع تلك كنايات تحتمل الطلاق وغيره ، كذلك لفظ بله ورها بالطريق الأولى ، بل لا يوجد عندنا لفظ صريح في النكاح الدائم أو المتعة والإجارة والصدقة والوقف والصلح والشركة وغير ذلك ، وكل ما يدعى دلالته على أمثال ذلك فهو أعم جدا نظير لفظ سازش وانبازي وغيرهما ، وجميعها كنايات ، إلا أن يستعار عين الكلمة العربية وينشئها بالفارسية فلا يبعد صحته كما يصح فيما له مرادف كالبيع والشراء ، فإن قيل ما الفرق بين النكاح والبيع حيث يجوز المعاطاة في الثاني دون الأول ؟ قلنا : الفرق بينهما ما أشرنا إليه من أن الفروج في الحرائر لا تحل بالرضا ، والتصرف في المال يصح وإن لم نعلم وجه رضاه ، فإذا علمنا أن المالك يرضى بأن تتصرف في ماله جاز لنا التصرف وإن لم نعلم أنه أباحه لنا أو ملكنا إياه أو أعارنا أو غير ذلك فبمحض أنا نعلم أنه لا يكره تصرفنا جاز لنا التصرف بخلاف ترتيب خصوص أحكام معاملة خاصة فإنه يتوقف على العلم بقصد خصوص تلك المعاملة ، فإذا حصل في يدنا مال من جهة مالكه وعلمنا رضاه بتصرفنا فيه لم يحرم علينا ، ولكن لا يثبت أحكام خصوص البيع أو الصلح أو الإباحة إلا باللفظ الدال على الخصوص ، بل نقول يمكن أن يكون مقصود المالك معنى مشتركا مثل تحصيل عوض المال وثمنه بيده ولا يقصد شيئا بعينه ، فإذا قيل له ليكن المثمن ملكا للمشتري وهذا الثمن لك يرضى به أيضاً ، وإن قيل ائذن لفلان أن يتصرف في متاعك ويتلفه ويعطيك قيمته بدلا يرضى به أيضاً ، وإن قيل له صالح مع المشتري على التمليك يرضى ، وإن قيل ليكن هذا الثمن عندك رهنا على تلف متاعك أن أتلفه فلان وهكذا ، وبالجملة فالبائع يقصد المعنى المشترك بين جميع هذه المفاهيم وغيرها ويشتمل جميعها على طيب نفسه بالتصرف في ماله ، وهذا كاف في إباحة المال وتحليلها بخلاف المعاملات الخاصة ، فإن كل واحدة منها لا يثبت إلا باللفظ الدال على انشاء تلك المعاملة بالخصوص ، فالحق أن المعاطاة لا تدل على أزيد من الإباحة ، إما لأن البائع قصد تحليل ماله للمشتري تحليلا أعم من التمليك والإباحة ، وأما لأنه قصد البيع أولا ، وعلى فرض عدم حصول البيع يرضى بتصرف في ماله ، وهذا كاف في التحليل المالي ولا يكفي مثله في البضع ، ولكن بالنسبة إلى وقع المعاملة فلا فرق بين البيع والنكاح في عدم وقوع شئ منهما بغير اللفظ الصريح في إنشاء معناه .
فإن قيل : ما الفرق بين العقود الجائزة اللازمة حيث يكتفي في الجائزة بكل لفظ في الجملة ولا يفيد بقيود العقود اللازمة ؟ قلنا : الفرق بينهما أن العقد اللازم لا يعتبر فيه دوام التراضي ، فإن ندم أحدهما بعد العقد كان لمعامله إلزام النادم بمقتضى العقد فيجب ووجود لفظ تام الدلالة لا يحتمل خلاف المقصود حتى لا يمكن النادم من التعلل والفرار بخلاف العقد الجائز فإنه يعتبر فيه دوام التراضي ومع التراضي لا يقع خلاف في شئ ومع عدم التراضي كان لكل منهما الفسخ وإن ثبت كمال العقد وصحة المعاملة ، ولذلك لا يعتبر في العقود الجائزة ما يعتبر في العقود اللازمة .
فإن قيل : إن كان رضا البائع معلقا على حصول البيع ولم يحصل بطل الرضا المقيد به أيضاً ؟ فلا يحصل الإباحة بالمعاملات ، قلنا : الظاهر أن البائع راض بالتصرف في المبيع ولو مع بطلان البيع وعدم وقوعه لحصول الثمن في يده ، فإن قيل فعلى هذا يلزم الحكم بإباحة تصرف البائع في ثمن الخمر والخنزير لأنه يعلم رضا المشتري بالتصرف في الثمن لحصول الخمر في يده وإن لم يقع بيع ، قلنا أخذ شئ بإزاء الخمر والخنزير وأمثالهما حرام مطلقا سواء كان بعنوان ثمن البيع أو عوض الصلح أو ضمان الإتلاف أو عوض الإباحة المعوضة ، وليست الحرمة منحصرة في البيع ، وهذا بخلاف بيع شئ جزافا بغير وزن أو نسيئة من غير تعيين أجل مثلا ، فإنه إذا علم المشتري أن البائع راض بالتصرف فيه مع ضمان الثمن جاز له التصرف وإن لم يحصل بيع .
فإن قيل : هل يجوز للمشتري بالمعاطاة التصرف المتوقف على الملك كعتق العبد ووطي الأمة إذ لا يكفي في مثله مجرد الإباحة ؟ قلنا : أولا : لا يبعد الالتزام بأنه يملك المشتري قبل التصرف أنا ما نظير ما لو قال : أعتق عبدك عني وبقريبه أن البائع أباح المال للمشتري حتى أنه جوز له تملكه بالنسية والعتق يستلزم نية التملك ، وثانيا : نمنع جواز التصرفات المتوقفة على الملك قبل تلف عارضه وتملك ما بيده بدلا .
وقال المحقق الثاني : أن مراد علمائنا من الإباحة الحاصلة بالمعاطاة هو الملك المتزلزل ، وليس كذلك قطعا بل مرادهم محض الإباحة إذ لا يتعقل أن يذهب أحد إلى أن المعاطاة تدل على الملك أو أن البيع يحصل بالرضا القلبي من غير شئ يدل عليه إلا أن يكون مقصوده الملك الحاصل بينه التملك بعد إعراض المالك الأول ، وهذا لا يوجب ثبوت أحكام البيع بل هو تملك بغير معاملة كالتقاص وأخذ البدل من المضمون وحيازة المباحات . وبذلك يعرف بطلان ما توهم بعضهم من انكار اشتراط العقود في المعاملات وانه يتحقق البيع وغيره ، ويلزم من غير لفظ يدل على صريح الإنشاء ، وتمسكوا بالسيرة على المعاملات بالمعاطاة من غير عقد لأن الناس يجعلون ما يحصل في أيديهم بها كساير أموالهم فيصرفون بالبيع والعتق والوطي والإيصاء والتوارث وغير ذلك من آثار الملك .
وأقول : هذا باطل من وجوه : الأول : أن السيرة حجة إذا كانت مستمرة إلى عصر المعصوم عليه السلام ، وثبت سكوتهم عن ردع الناس حتى يكون هذا تقريرا لفعلهم ونحن نمنع ذلك ، وعلى المستدل الإثبات وليس علينا ذكر اسناد المنع ، ولكنا نذكر شيئا منه ، منها أنا نعلم أن الإعطاء والأخذ لا يدل على البيع وأن الناس يعرفون ذلك ولا يجعل أحد شيئا غير دال على القصد علامة ملزمة له ، ونعلم أنه إذا قال المعطي : ما أردت البيع ، وقال الآخذ : أردت أنا الاشتراء وأردت أنت البيع ، عد البائع عندهم محقا وعلى المشتري اثبات البيع ، وهذا يدل على أن الإعطاء ليس عند الناس علامة للبيع ، ومنها أنا نعلم أن الناس من عهد الشيخ الطوسي رحمه الله إلى قريب مفيدة للإباحة فقط ، وكان أكثر الناس متدينين غير متسامحين البتة ، فنحن نعلم استمرار السيرة على عدم جعل المعاطاة بيعا ، فإذا علمنا عدم كون سيرة القرون المتوسطة على ذلك ، كيف نستكشف وجود السيرة في عصر الأئمة والقرون الأولى ، ومنها أنا نعلم أن المتعاملين بالمعاطاة من غير صيغة قد يتصرفون في ما وصل بأيديهم في الجملة ويرون هذا التصرف حلالا لهم لا لأنه ملك لهم ، وأما أنهم كانوا يتصرفون تصرفا لا يجوز إلا في الملك فهو ممنوع ، لا نسلم وجود السيرة البتة ، ومنها أن المتعاملين بالمعاطاة لا يجعلون ما وصل إليهم ملاكا إلا إذا تحقق لديهم إتلاف ما أخذ منهم لأن البائعين يتصرفون في الثمن غالبا بحيث يتعذر عليهم إعادة ما أخذوه إلى مالكه الأول فيكون لطرفه حق التملك فيمتلك ما بيده ، فإذا أخذ البائع الثمن من المشتري ومزجه بغيره من النقود بحيث لم يكن إعادة عين الثمن إلى المشتري كان للمشتري تملك المبيع بدلا من الثمن لأن واحدا منهما لم يسلط الآخر على اتلاف ما له مجانا .
فالمعاطاة بمنزلة العقود الفاسدة يضمن بها ما يضمن بالصحيح ، ولعل الناس في عصر الأئمة عليهم السلام إلى عصرنا هذا كانوا يعاملون مع المأخوذ بالمعاطاة معاملة الأملاك إذا اطمأنوا هلاك عين الثمن أو مزجه بغيره ، ومنها أن الناس لعلهم يجعلونها تملكا لأن الطرف أباح لهم التملك لا لأنهم يعتقدون حصول البيع ، ومنها ألا لا تسلم عدم ردع الأئمة عليهم السلام كيف واتفقت الآراء من أقدم العصور إلى عصرنا على اشتراط اللفظ ، ولا يمكن أن يكون اتفاق جميع العلماء ، إلا ما شذ بغير دليل قاطع ، وإنا علمنا جريان عادتهم على أن ما لا يوجد فيه دليل واضح أن يختلفوا ، ولم ينقل الاكتفاء بالمعاطاة في العقود عن أحد من العلماء إلا أن عبارة المفيد غير صريحة في اشتراط اللفظ ولعله لا ينافيه .
وعلى كل حال فمخالفة معلوم النسب غير قادح في الإجماع ، ومخالفة المحقق الكركي أيضاً ناشئة من شبهة حصلت له حتى حمل الإباحة في كلام جميع العلماء على الملك ، ولما علمنا عدم كون ما فهمه موافقا للواقع جاز لنا عد قوله غير قادح في الإجماع ، وكيف يمكن أن يلزم أحد بالبيع لصدور عمل أعم منه جدا أو بقرائن غير منضبطة إلى غير ذلك من أسناد وقرائن يعلم منها صحة فتاوى علمائنا من لزوم العقد اللفظي في المعاملات ، وليس مسألة من المسائل من جهة تراكم القرائن فيها عن الإجماع ما في هذه المسألة ، ولو جاز مخالفة العلماء هنا بسلب الاطمئنان من جميع الإجماعات ، ولم يكن الحكم في مسألة البتة وليس للمخالف دليل إلا السيرة وبعض الاستبعادات .
والعجب أن بعضهم عد من جملة الأقوال في المعاطاة أنها موجبة للملك ان اقترن باللفظ ولا يشترط الصيغة ، ولا محصل لهذا القول لأن اللفظ إن كان صريحا في انشاء المعاملة كان صيغة ، وإن لم يكن صريحا في انشائها فيكف يجعل دليلا على وقوع المعاملة وكان اللفظ مثل نفس المعاطاة في كونها أعم ، وعلى كل حال فلا ريب في اشتراط العقد اللفظي في النكاح ولا يجزي فيه بغيره بإجماع علماء الإسلام ، وآخر ما نقول في هذا الباب هنا ما قاله المحقق الكركي في جامع المقاصد : أن الشارع أحكم من أن ينيط الأحكام بما لا ينضبط . « ش » .