العباس عن صفوان قال « سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت ولا يباع بها شيء الصاحب الدراهم الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس قال فقال لصاحب الدراهم الدراهم الأولى » .
بيان :
في الإستبصار أول ما ينفق بين الناس في الخبر الأول بقيمة ما كان ينفق أولا وكذلك أول الدراهم الأولى في الأخيرين بقيمة الدراهم رفعا للتنافي قال لأنه يجوز أن تسقط الدراهم الأولة حتى لا تكاد تؤخذ فلا يلزمه أخذها وهو لا ينتفع بها وإنما له قيمة دراهمه الأولة وليس له المطالبة بالدراهم التي تكون في الحال وفي الفقيه قال بعد نقل الخبر الثاني كان شيخنا محمد بن الحسن رضي اللَّه عنه يروي حديثا في أن له الدراهم التي تجوز بين الناس والحديثان متفقان غير مختلفين فمتى كان للرجل على الرجل دراهم بنقد معروف ( 1 ) فليس
هامش
( 1 ) قوله « دراهم بنقد معروف » ما ذكره الشيخ الصدوق « ره » أو الشيخ محمد بن الحسن بن الوليد تحقيق دقيق مشتمل على فقه كثير ، وينفتح منه أبواب وحاصلة أن الأغراض تختلف في انتفاء النقود ، فبعض الناس يتعلق غرضه بالسكة الخاصة ويذكرها في العقد الموجب للدين فعلى المديون أن يدفع إليه تلك السكة وإن خرجت عن الاعتبار وبعضهم يتعلق غرضه بالنقد الرائج وليس يتعلق غرضه لسكة خاصة فعلى المديون أن يدفع إليه النقد الرائج بذلك الوزن ، ولما كان الغالب على الناس تعلق غرضهم بالرائج كان الواجب عند ابن الوليد دفعه خاصة وإن غاير ما استدانه في السكة لكن يجب أن يدفع بذلك الوزن ، ويمكن أن يناقش في هذا القول بأن غرض المستدين لا يؤثر في أحكام الضمان فإن كان الواجب شرعا ضمان المثل بالمثل ولم يكن الدرهم الرائج فعلا مثل ذلك الرائج سابقا في الوزن أو في القيمة فلا معنى لضمانة ولو تعلق غرض المستدين بالرائج وإن كان مثله جاز دفعه بدله ولو تعلق غرضه بالسكة والنقد السابق .
والجواب إنا لا نسلم عدم تأثير الغرض ، فلو استقرض رجل حنطة من حقل معروف وشرط رده من ذلك الحقل بعينه وجب وإن كان غيره مثله ، ويجوز دفعه عند الإطلاق ويمكن أن يعتبر المماثلة من جهات مختلفة باختلاف الأغراض ألا ترى أنه لو باع الباب والكرسي باعتبار خشبها من غير اعتبار الهيئة والصنعة كانا مثليين ، وإن باعهما باعتبار الهيئة كانا قيميين ، كذلك الدرهم باعتبار السكة مثلي وباعتبار الرواج أيضا مثلي ، لكن على الأول مثلة تلك السكة وإن أسقطها السلطان ، وباعتبار الرواج مثله الدرهم الرائج بسكة أخرى بذلك الوزن والجنس فكما يمكن أن يؤثر الغرض في المثلية والقيمية يمكن أن يؤثر في كيفية المثل .
فإن قيل إن تعلق الغرض بالنقد الرائج لا بالسكة الخاصة فلا وجه لإيجاب كون وزن هذا الدرهم الذي يدفعه الآن مساويا لوزن الدرهم الذي استقرضه سابقا على ما يستفاد من كلام الصدوق لأن غرضه النقد الرائج الذي يصرف باسم الدرهم قلنا الوزن كان مقوما لمفهوم الدرهم في ذلك العصر ، فإن كان أنقص وزنا أو أردأ جنسا بالغش لم يكن هو هو فيعلم من ذلك أن ما هو معمول في زماننا هذا من تغيير أسامي النقود تدريجا وجعلها اسما لمقدار أقل مما كان لا يوجب ضمان هذا الاسم ، مثلا التومان عندنا كان اسما لمقدار عشرة مثاقيل صيرفية من الفضة الخالصة ، ثم تغير تدريجا حتى صار اسما لمقدار أقل من مثقال واحد منها فعلا ، ولس مذهب ابن بابويه أن من استقرض عشرة مثاقيل من الفضة بالسكة القديمة الساقطة عن الاعتبار .
وكان تعلق غرضه بالنقد الرائج أنه يجوز دفع مثقال واحد فعلا فإنه مسمى بتومان ، بل يجب دفع عشرة مثاقيل من الفضة بالنقد الرائج وإن سمي عشرة توأمين إن قيل فما حكم الفلوس إن أسقطها السلطان عن الاعتبار وصارت بحيث لا قيمة لها معتدا بها أو كانت له قيمة أقل جدا مما كانت معتبرة قلنا يجري نظير ما ذكره الشيخ ابن بابويه رحمه الله في الدرهم ، في الفلوس ، فإن استقرضها وغرضه متعلق بذاك الفلز وتلك السكة وجب بعد ذلك رد مثلها ، وإن كان غرضه متعلقا بالنسبة التي بينها وبين الدرهم كما هو الغالب لا يجوز رد تلك الفلوس بل الفلوس الرائجة بتلك النسبة مثلا إن فرضنا إن الدرهم يساوي عشرين فلسا وكل فلس جزء من عشرين جزء من الدرهم واستقرض عشرة أفلس كان دينه نصف درهم في الحقيقة ، وبعد إسقاط الفلوس الأولى عن الاعتبار وجب عليه رد ما يساوي نصف درهم من الفلوس الجديدة إن قيل فما حكم الأوراق كالنوط والإسكناس وطوابع البريد والصكوك وأمثالها إذا سقطت عن الاعتبار قلنا يجري مثل كلام ابن الوليد فيها أيضا ، إلا أنه قل أن يتعلق الغرض فيها بنفس الأوراق ونقوشها ، نعم قد يتفق ذلك في طوابع البريد ، فبعض الناس يشتريها بعد إبطالها أيضا ويجمع منها الأنواع المختلفة جمعا .
وأما ساير الأوراق فليس الغرض يتعلق بها من حيث هي أوراق ونقوش ، بل الغرض فيها مقدار من النقدين تدل عليه وتكون حاكيه عن ، فالأوراق تباع وتشتري من جهة الحكاية والمعاملات واقعة في الحقيقة على النقدين فإذا استقرض من تلك الأوراق وجب عليه بعد اسقاطها الرد من الأوراق الرائجة لا من الساقطة ويجب أن يكون ما يرده حاكية عن مقدار من النقدين الذي كانت الساقطة حاكية عنه ، مثلا استقرض عشر ريالات بالورقة الحاكية عنها وكل ريال مثقال صيرفي من الفضة ثم سقط تلك الورقة عن الاعتبار وجب عليه بعد ذلك إن أراد رد دينه بالورقة أن تكون هذه الورقة حاكية عن عشرة مثاقيل أيضا من الفضة وذلك لأن اعتبار الأوراق وماليتها باعتبار النقد المدلول عليه وإن لم يسم المثقال الواحد حينئذ ريالا ، وسيجئ إن شاء الله بعض ما يتعلق بمعاملات الأوراق في حواشي الصفحة 95 .
وقال فقيه عصرنا في كتاب الوسيلة لو أقرض دراهم ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها لم يكن عليه إلا الدراهم الأولى ، نعم في مثل الصكوك المتعارفة في هذه الأزمنة المسماة بالنوط والإسكناس والدينار وغيرها إذا سقطت عن الاعتبار ، فالظاهر اشتغال الذمة بالدراهم والدنانير التي هي من النقدين ومن الفضة والذهب المسكوكين وإن كان في مقام التسليم والإيصال يكتفي بتسليم تلك الصكوك وإيصالها نعم لو فرض وقوع القرض على الصك الخاص بنفسه بأن قال مثلا أقرضك هذا الكاغذ الكذائي المسمى بالنوط الكذائي كان حالها في ساير المعاملات والمهور الواقعة على الصكوك . انتهى .
والظاهر أن الغرض الأخير غير واقع إلا في مثل طوابع البريد بعد بطلانها فإنه قد يتعلق الغرض بها من حيث هي أوراق منقوشة . « ش » .