الإنسانية ووعي لاستمرار الحضارة الإنسانية فينا وفيمن يأتي بعدنا من الأجيال -
بدون ذلك لن يكون في وسعنا تفادي أخطاء وقعت في الماضي كما لن يكون من حقنا التمتع
بنتائج تجارب ناجحة أنجزت فيه ، كما أننا في هذه الحالة قد نتخذ بالنسبة إلى
المستقبل الذي لا نملكه وحدنا قرارات متهورة شديدة الخطورة بالنسبة إلينا وإلى
وضعية ومصير الأجيال الآتية .
إن الغلو في استرجاع التاريخ ، فكرا وعملا ، قد يجعل من التاريخ مقبرة للحاضر
والمستقبل ، ويجعل الإنسان غريبا في العالم الذي يعاصره ويحيط به ويتدفق بالحياة
نحو المستقبل من حوله .
كما إن الغلو في رفض التاريخ ، والانقطاع عنه والانصراف عن تجاربه ومآثره قد يجعل
الإنسان ريشة في مهب الريح عاجزا عن التماسك في الحاضر ، ويفقده القدرة على
ممارسة دوره الأصيل في بناء الحضارة ويجعل منه مجرد ممثل لأدوار يضعها الآخرون
يعكس هو بتمثيله إراداتهم وأفكارهم وموجاتهم .
إذن لابد للإنسان من أن يتعامل مع التاريخ باعتدال يجعله دليلا في حركته وتربة
ينمو فيها الحاضر الأصيل والمستقبل الأكثر يمنا وأصالة .
واستجابة لهذه الضرورة تعامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) مع التاريخ في
مجال الوعظ وفي مجال السياسة والفكر .
وأكبر همنا في هذه الدراسة هو التعرف على النظرة التاريخية للإمام في مجالي
السياسة والفكر ، مكتفين بالنسبة إلى المجال الوعظي ذي المحتوى التاريخي بتقديم
نموذج واحد من النصوص الوعظية في كتاب نهج البلاغة ، وتحليله مع تسليط الأضواء على
الجانب التاريخي فيه .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٤٣