السابقة .
وقد يثير هذا التحليل حفيظة فريق من أهل الفكر المشتغلين بالسياسة ، أو فريق من أهل
السياسة يدعون لأنفسهم صلة بالفكر يرون - أولئك وهؤلاء - أن النزعة التاريخية ، أو
العقلية التاريخية ( السلفية ) تعيق نمونا في الحاضر وتقدمنا في المستقبل ، لأنها
تشدنا دائما إلى الماضي ، إلى قيمه وتصوراته . إن التاريخ عند هؤلاء مرض يشوه
الحاضر ويقضي على المستقبل .
ولكن هذا الرأي بعيد عن الصواب .
بطبيعة الحال نحن - في فهمنا لدور التاريخ كعامل مكون في البنية الثقافية للإنسان
والمجتمع ومساعد في عمليات الفكر - لا ندعي أن من الحكمة أن يجعل الإنسان نفسه
سجين التاريخ ، لسنا في فهمنا لدور التاريخ مع غلاة النزعة التاريخية الذين يرون
أن التاريخ هو الحقيقة كلها ، لا مرحلة من مراحل نمو الحقيقة التجريبية فقط . فهذا
الموقف الفكري يتسم بالغلو والشطط .
ولكن ليس من الحكمة أيضا أن يواجه الإنسان حاضره ويتجه نحو مستقبله وهو بلا جذور ،
إنه حين لا يستشعر تاريخه الخاص بأمته أو تاريخ الإنسانية يفقد القدرة على الرؤية
الصحيحة ، ويفقد القدرة على تقويم المواقف التي تواجهه في خاطره تقويما سليما
سواء في ذلك ما يتعلق منها بالحاضر نفسه أو ما يتعلق منها بالمستقبل ، إنه في هذه
الحالة يتحرك في الفراغ .
لهذا وذاك نرى أن الاستخدام المتزن للتاريخ ، الاستخدام المتسم بالحكمة
والاعتدال يجعلنا أقدر على التحرك في حاضرنا وأكثر شعورا بخطورة قراراتنا فيما
يتعلق بشؤون المستقبل ، لأن التاريخ في هذه الحالة يعمق حسنا الأخلاقي حين
اتخاذنا قرارات مستقبلية تمس نتائجها حياة أجيال ، نصنع بهذه القرارات -
المستقبلية بالنسبة إلينا - حاضرها هي الذي هو مستقبلنا المظنون الذي قد لا
نشاركها فيه لأننا نكون حينئذ قد غادرنا الحياة ، ومن ثم فلا نواجه نتائج قراراتنا
الماضية .
بدون استرجاع الماضي وما يمنحنا ذلك من عمق في الرؤية ، وغنى في التجربة
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٤٢