Skip to main content

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 284

Contributors:

P.284
بيان السبب في طول الأمل وعلاجه اعلم أن طول الأمل له سببان أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه والإنسان بالأماني الباطلة فيتمنى الإنسان أبدا بما يوافق مراده وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ولا يقدر قلبه قربه فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوف ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب فإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخا فإذا صار شيخا قال إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة وترجع من هذه السفرة أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له وتفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك فلا يزال يسوف ويؤخر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر وهكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه فيطول عند ذلك حزنه وأكثر أهل النار صياحهم من سوف يقولون وا حزناه من سوف والمسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط هيهات ما فرغ منها إلا من اطرحها شعر فما قضى أحد منها لبانته ( 1 ) * ولا انتهى أرب منها إلى أرب ( 2 ) وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله ص
Footnote
( 1 ) اللبانة بضم اللام : الحاجة . ( 2 ) الإرب بكسر الهمزة : الحاجة والعضو وعلى وزن الفرس كما هنا بمعنى الحاجة فقط .