Skip to main content

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) — Page 196

Contributors:

P.196
وينبغي أن يكون الطالب لثواب الله همه إخفاء عمله وطاعته لأنه يريد أن يخلص عمله لله ليجازيه الله عليه يوم القيامة بإخلاصه على ملا من الخلق إذ علم أن الله تعالى لا يقبل عملا في القيامة إلا الخالص ويعلم أن شدة الفاقة والحاجة إلى الثواب عظيمة شديدة فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا يجزى والد عن ولده ويشتغل الصديقون بأنفسهم فيقول كل واحد نفسي نفسي فضلا عن غيرهم وينبغي أن يكون المطيعون لله العابدون له كزوار بيت الله إذا توجه الحاج إلى مكة فإنهم لا يستصحبون معهم إلا الذهب المغربي الجيد الخالص لعلمهم بأن أرباب البوادي لا يجوز عندهم الزيف ( 1 ) والذهب الردي والحاجة تشتد في البادية ولا وطن يفزع إليه ولا حميم يتمسك به فلا ينجى إلا الخالص من النقد فهكذا شاهد أرباب القلوب يوم القيامة عالم بالضمائر لا تخفى عليه خافية لا يقبل إلا الخالص من كل شوب ومتى أدرك النفس تفرفة ( 2 ) بين أن يطلع على عبادته إنسان أو يسمع به إنسان ففيه شعبة من الرياء فلو كان مخلصا قانعا بعلم الله لاستخفى من الذين يريدهم أن يطلعوا على عبادته وعلم أنهم لا يقدرون على رزق وزيادة ثواب ونقصان عقاب فإذا ينبغي أن لا يفرح باطلاع الناس على أعماله بطاعاته . فإن قيل فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعته فنقول أولا كل سرور ليس بمذموم بل السرور ينقسم إلى محمود ومذموم فأما المحمود فثلاثة . الأول أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع الله به ونظره له وألطافه به فإنه يستر الطاعة والمعصية ثم الله يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة ولا لطف أحسن من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون فرحه بجميل نظر الله لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فكأنه ظهر له أنه عند الله مقبول ففرح به .
Footnote
( 1 ) الزيف والزائف من الدرهم : الردى المغشوش فيه . ( 2 ) في بعض النسخ [ التفرقة ] .