وعزى في الذكرى إلى بعض قدماء الأصحاب وفقهاء حلب منهم القول بوجوب الاستدلال على العوامّ * وأنّهم اكتفوا فيه بمعرفة الإجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع ، أو النصوص الظاهرة ، أو أنّ الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضارّ الحرمة مع فقد نصّ قاطع في متنه ودلالته ، والنصوص محصورة . وضعف هذا القول ظاهر .
وقد حكى غير واحد من الأصحاب : اتّفاق العلماء على الإذن للعوامّ في الاستفتاء من غير تناكر ، واحتجّوا مع ذلك : بأنّه لو وجب على العاميّ النظر في أدلة المسائل الفقهيّة لكان ذلك إمّا قبل وقوع الحادثة ، أو عندها . والقسمان باطلان . أمّا قبلها فبالإجماع ، ولأنّه يؤدّي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك فيؤدّي إلى الضرر بأمر المعاش المضطرّ إليه .
وأمّا عند نزول الواقعة ، فلأنّ ذلك متعذّر ، لاستحالة اتّصاف كلّ عاميّ عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين . وبالجملة فهذا الحكم لا مجال للتوقّف فيه .
شرح
والاستفتاء وتقريرهم وعدم إنكارهم والمدّعى في كلماتهم » ( 1 ) وحكي نقل الإجماع عن جماعة من العامّة أيضاً .
* كأنّه أراد ببعض قدماء الأصحاب ابن زهرة في الغنية المصرّح بمنع التقليد قائلا فيها : « لا يجوز للمستفتي تقليد المفتي لأنّ التقليد قبيح ، ولأنّ الطائفة مجمعة على أنّه لا يجوز العمل إلاّ بعلم . وليس لأحد أن يقول : قيام الدليل وهو إجماع الطائفة على وجوب رجوع العامي إلى المفتي والعمل بقوله مع جواز الخطأ عليه يؤمنه من الإقدام على القبيح ويقتضي استناد عمله إلى العلم .
لأنّا لا نسلّم إجماعهم على العمل بقوله مع جواز الخطأ عليه ، كيف وهو موضع الخلاف ، بل إنّما أمروا برجوع العامي إلى المفتي فقط فأمّا ليعمل بقوله فلا .
فإن قيل : فما الفائدة في رجوعه إليه إذا لم يجز العمل بقوله ؟
هامش
( 1 ) مفاتيح الاُصول : 590 .