تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
شرح
فإن قلت : إنّ التقصير في امتثال التكليف إنّما يستتبع الإثم إذا كان المكلّف المقصّر متفطّناً بتقصيره دون غيره لقبح تكليف الغافل ، فإنّه قد يقصّر في مقدّمات النظر واقعاً ولا يتفطّن بتقصيره . قلت : إنّ الغفلة عن التقصير ممّا لم نتحقّق معناه ، فإنّ مفروض المسألة أنّ الله تعالى كلّف بالعلم وتمكّن المكلّف من تحصيله بالتمكّن من الاطّلاع على الأدلّة الموجودة الموصولة إليه ، ولم يؤدّ من استقصاء النظر في طلبه واستفراغ الوسع للاطّلاع على الأدلّة الموصلة إليه اختياراً - مع إمكانه واحتمال وجودها - حقّه ، وهو الّذي يعبّر عنه بالتقصير ويلزم منه أنّه ترك الامتثال اختياراً ولو باعتبار كونه متولّداً من الترك الاختياري على حدّ الأفعال التوليديّة ، فيكون آثماً ويعاقب عليه . وبالجملة استفراغ الوسع في طلب العلم بالمعارف الحقّة لا يتأدّى حقّه إلاّ بالرجوع إلى أدلّة ما احتمل كونه حقّاً من الأديان الّتي منها دين الإسلام ، فمن ترجّح في نظره بعد الاجتهاد دين اليهود والنصارى أو غيرهما بعد ما احتمل حقّيّة دين الإسلام فرّط في نظره وقصّر في اجتهاده لا محالة ، حيث لم يرجع إلى المسلمين ولم يستوف النظر في أدلّتهم ولم يسأل علماءهم ليرفعوا شبهاته أو لم يعمّق التأمّل في أدلّتهم أو لم يخل نفسه عن الأضداد والأنداد ، نظراً إلى أنّ خلوّ الذهن عن الضدّ المنافر قبل النظر في الدليل شرط في حصول العلم أو مُعين فيه على رأي ، بخلاف الضدّ الغير المنافر كظنّ المطلوب قبل النظر فإنّه مُعين في حصول العلم به بالاستدلال ، وإلاّ لوجب وصوله إلى الواقع وحصول العلم له بالحقّ وهو دين الإسلام كما كان يتّفق كثيراً في المائلين من الملل الباطلة إليه من زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) إلى زماننا هذا . ومن ذلك ما رواه الكليني في اُصول الكافي بإسناده عن هشام بن الحكم ، قال : كان بمصر زنديق يبلغه عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أشياء فخرج إلى المدينة يناظره ، فلم يصادفه بها ، وقيل له : إنّه خارج بمكّة فخرج إلى مكّة ، ونحن مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) فصادفنا ونحن مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) في الطواف ، فكان اسمه عبد الملك وكنيته أبو عبد الله ، فضرب كتفه كتف أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما اسمك ؟ فقال : اسمي عبد الملك ، قال : وما كنيتك ؟ قال : كنيتي أبو عبد الله ، فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : فمن هذا الملك الّذي أنت عبده أمِنْ ملوك الأرض أم من ملوك السماء ؟ وأخبرني عن ابنك عبدُ إله السماء أم عبدُ إله الأرض ؟ قل ما شئت