تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
شرح
وللأخباريّة النافية للحاجة مطلقاً شبهات كثيرة ممّا ذكروها أو يمكن أن يذكروها . منها : إنّ علم الرجال علم منكر يجب التحرّز عنه لما فيه من تفضيح الناس وقد نهينا عن التجسّس عن معائبهم واُمرنا بالغضّ والستر . واُجيب تارةً : بالنقض بجرح الشهود وتعديلهم عند الحاكم والغيبة عند المشاورة المستثناة عن عموم التحريم . واُخرى : بمنع شمول الأدلّة الناهية عن التجسّس الآمرة بغضّ البصر وستر العيوب . وثالثة : بما قرّر في محلّه من سقوط حرمة المقدّمة المنحصرة إذا توقّف عليها واجب أهمّ كإنقاذ الغريق مثلا عند كونه أجنبيّة ، أو توقّفه على غصب في الطريق أو الآلة أو غيرهما . ورابعة : بانعقاد الإجماع والسيرة حتّى من الأخباريّة على الجواز في المقام ، إذ الكلام إنّما هو في وجوب معرفة الرجال - للافتقار إليه - وعدمه لا في أصل جوازه ، وهذا هو المعتمد فإنّ الإجماع على الجواز وكون ما ذكر كجرح الشهود وتعديلهم منقوله واقع في كلام بعض أساطين متأخّري الطائفة ، ومحصّله قائم كما يظهر للمتتبّع في سيرة العلماء كافّة قديماً وحديثاً خلفاً عن سلف من الخاصّة والعامّة ، ويشهد به ملاحظة عملهم ووضعهم في ذلك فهارس ورسائل ومصنّفات متداولة بين قاطبتهم تداول سائر الكتب المعمولة في سائر الفنون المعهودة من غير نكير من المؤالف والمخالف ، حتّى أنّه كان متعارفاً بين أصحاب الأئمّة وخواصّ الشيعة المعاصرين لهم ( عليهم السلام ) مع اطّلاعهم عليه وتقريرهم أصحابهم على ما هم عليه من ذكر الرجال وجرحهم تارةً وتعديلهم اُخرى وتأمّلهم في ثالث ، بل لو تتبّعت الروايات لوجدت فيها ما يشهد بكون عمل الأئمّة أيضاً على ذلك ، ولذا ورد فيها مدح جملة من الرواة أو توثيقه في بعضها وذمّ جملة اُخرى أو جرحه في بعضها ، فأصحابنا رضوان الله عليهم من لدن أعصار الأئمّة ( عليهم السلام ) كانوا لا يزالون يشدّدون الاهتمام في ضبط أحوال الرجال وأوصافهم ومدائحهم وذمومهم ، حتّى أنّهم كانوا يتعرّضون لضبط الأنساب والألقاب مثل كونه عربيّاً صحيحاً أو مولى ، وكونه كوفيّاً أو قميّاً أو نحو ذلك ليفيد في مقام تعارض الروايتين إحداهما ممّن لا نجابة له بحسب نسبه والاُخرى ممّن له نجابة ليترجّح الثانية على الاُولى ، أو إحداهما من العربي الصحيح والاُخرى من المولى ليترجّح الثانية على الاُولى من حيث إنّ العرب كان فيهم الحسد والحميّة والعصبيّة ، ولذا ترى أنّ أجلاّء الرواة بل أكثر رؤساء الدين بين المسلمين كانوا من الموالين لمكان الوثوق بهم وخلوّهم