تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
شرح
والمعروف من مذهب الأصحاب هاهنا أيضاً هو العمل بالبراءة وعدم وجوب الاحتياط ، خلافاً لصاحب الحدائق ( 1 ) تبعاً للمحدّث الأسترآبادي ( 2 ) لمصيره إلى وجوب التوقّف والاحتياط ، ولعلّه مذهب غيرهما من الأخباريّة . ومقتضى ما تقدّم عن المحقّق في المعارج ( 3 ) من نقل الخلاف وقوعه هاهنا أيضاً . والحقّ الأوّل ، فلا فرق في العمل بأصل البراءة بين ما لا نصّ فيه وما فيه نصّ مجمل ، لأنّه من جهة إجماله وعدم اتّضاح دلالته لا يفيد شيئاً ، والبيان المعتبر في صحّة التكليف المسقط للعذر المصحّح للعقاب والمؤاخذة على المخالفة غير حاصل به ، فيكون وجوده بمثابة عدمه ، فيجري فيه جميع ما تقدّم من الأدلّة ممّا عدا الإجماع ، حتّى حكم العقل بقبح التكليف بلا بيان ، والمؤاخذة على مخالفة ما لا طريق للمكلّف إلى معرفته . ولقد أغرب صاحب الحدائق ( 4 ) هاهنا - على ما حكي - حيث إنّه بعد ما ذكر التوقّف قال : إنّ من يعتمد على أصالة البراءة يجعلها هنا مرجّحة للاستحباب ، ثمّ أورد عليه : أوّلا : بمنع جواز الاعتماد على البراءة الأصليّة في الأحكام الشرعيّة . وثانياً : بأنّ مرجع ذلك إلى أنّ الله تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة . ومن المعلوم أنّ أحكام الله تعالى تابعة للمصالح والحِكم الخفيّة ، ولا يمكن أن يقال : إنّ مقتضى المصلحة موافقة البراءة الأصليّة ، فإنّه رجم بالغيب وجرأة بلا ريب . وفيه ما لا يخفى من الغفلة الواضحة عن حقيقة معنى أصالة البراءة والاعتماد عليها ، فإنّه على ما مرّ مراراً عبارة عن البناء على خلوّ ذمّة المكلّف عن التكليف المشكوك فيه ، والحكم عليه بعدم العقاب على مخالفة الحكم الواقعي المجهول على تقدير كونه الحكم الإلزامي من وجوب أو حرمة ، من غير تعرّض له بإثبات ولا بنفي ، فلا يعقل كونها مرجّحة للاستحباب إن اُريد به أحد الحكمين المردّد بينهما الواقعة من حيث هي ، كيف وخلوّ ذمّة المكلّف عن الحكم الإلزامي المشكوك فيه لا ينافي كون الحكم المجعول للواقعة من حيث هي هو ذلك الحكم المشكوك فيه ، حتّى أنّا لو قلنا بعد نفي احتمال الوجوب بالاستحباب فهو ليس من مقتضى أصل البراءة ولا من مقتضى أدلّته ، ولا أنّه هو الاستحباب المحتمل المقابل للوجوب المحتمل ، بل هو استحباب آخر أثبته دليل خارج للواقعة المحتملة
هامش
( 1 و 4 ) الحدائق 1 : 69 - 70 . ( 2 ) الفوائد المدنيّة : 163 . ( 3 ) المعارج : 216 .