تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
شرح
ففيما نحن فيه إنّما يصحّ وقوع العقاب على المخالفة منه تعالى إذا لم يكن فيه قبح عقلي ، فلابدّ لمدّعي الأصل العقلي من نفيه ، وأنّى له بذلك ، كيف والعقل مستقلّ بقبح مؤاخذة من اُمر بمركّب علم عدّة من أجزائه وشكّ في جزئيّة الشيء الفلاني أيضاً ، واستفرغ وسعه وبذل جهده في طلب الدليل على جزئيّته فلم يقف عليه ، على وجه أحسّ من نفسه العجز واليأس عن الوقوف عليه ، ثمّ اقتصر في امتثال الأمر بالمركّب المذكور على الإتيان بأجزائه المعلومة وترك المشكوك فيه . ومرجعه إلى أنّ الجهل بجزئيّته مع العجز عن العلم بها عذر عقلي رافع للعقاب على المخالفة على تقديرها ، لقبحه في حكم العقل . ولا يتفاوت الحال في ذلك بين ما لو لم ينصب الآمر دلالة على الجزئيّة أصلا وبين ما لو نصبها ثمّ اختفت على المكلّف . وبالجملة الجاهل بجزء المكلّف به الملتفت إليه العاجز عن العلم به يجري عند العقل مجرى الجاهل الغافل الغير الملتفت إليه أصلا ، وهما عنده يجريان مجرى الجاهل الغير الملتفت والجاهل الملتفت العاجز عن العلم بأصل التكليف في قبح العقاب على المخالفة . لا يقال : هذا منقوض ببناء العقلاء على لزوم مراعاة الاحتياط في مسألة الشكّ في جزئيّة شيء للمأمور به في الأوامر العرفيّة والاُمور المتعلّقة بهم . ألا ترى أنّه إذا أمر الطبيب المريض بشرب دواء مركّب عن أجزاء ، فشكّ المريض في جزئيّة شيء له ولم يترتّب على وجوده في الدواء ضرر فهو لا يزال مراعياً للاحتياط والإتيان بذلك الجزء المشكوك فيه أيضاً ، بحيث لو تركه مع القدرة على إتيانه فصادف المخالفة كان ملوماً عند نفسه وعند غيره . لأنّا نمنع استقرار بناء العقلاء على الالتزام بالاحتياط فيما هو من قبيل محلّ البحث ، وما ذكر من مثال أمر الطبيب ليس منه ، لأنّ أوامر الطبيب إرشاديّة صرفة ولا يترتّب على موافقتها ثواب ولا على مخالفتها عقاب ، وليس الغرض إلاّ إحراز خاصيّة تترتّب على ذات الفعل المأمور به وهو البرء من المرض ، ففي صورة عدم الإتيان بالجزء المشكوك فيه يحتمل عدم ترتّب الخاصيّة وهو احتمال للضرر الدنيوي ولو باعتبار البقاء في المرض ، لأنّ الكون في المرض ضرر واحتماله احتمال عقلائي ، ولا شبهة في أنّ بناءهم في نحو ذلك على مراعاة الاحتياط بما يدفع هذا الضرر المحتمل ، وكلامنا في الأوامر الشرعيّة الّتي يقصد بها الإطاعة والموافقة فيترتّب على موافقتها الثواب وعلى مخالفتها العقاب . واحتمال