تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
شرح
وأمّا على الثاني : فلتعرّضه لنفيه في الواقع . فإنّا نقول : إنّ مفاد الآية نفي استحقاق العذاب باعتبار كون الجهل عذراً مانعاً عن تعلّق الحكم الواقعي على تقدير ثبوته بالمكلّف الجاهل ما دام جاهلا ، لا باعتبار انتفاء أصل الحكم الشرعي بحسب الواقع . وبعبارة اُخرى : أنّ الآية بظاهرها تدلّ على نفي اللازم باعتبار انتفاء شرط تعلّق الملزوم ، لا نفيه باعتبار انتفاء الملزوم رأساً . وبعبارة ثالثة : أنّها ظاهرة في نفي استحقاق العذاب لوجود المانع وهو الجهل ، لا لفقد المقتضي وهو الحكم الشرعي الواقعي الموجود في الواقعة من وجوب أو تحريم ، بدليل اختصاص النفي بما قبل البعث والتبليغ والبيان . ولا ريب أنّ الأحكام الواقعيّة لا تتغيّر بالبيان وعدمه ، ولا بعلم المكلّف وجهله لبطلان التصويب . وأمّا ما عساه يقال من أنّ الآية بقرينة « كنّا » إخبار بمجرى عادته تعالى في الاُمم السالفة ، من أنّه تعالى ما كان يعذّبهم إلاّ بعد بعث الرسل إليهم وإتمام الحجج عليهم ، فظاهر التعذيب المنفيّ عنهم تعذيبهم بالعذاب الدنيوي من المسخ والخسف ونحو ذلك ، وهذا لا ينافي استحقاق العذاب الأخروي في هذه الاُمّة على مخالفة الأحكام الواقعيّة لأجل الجهالة بعد بعث الرسل . وبالجملة فالآية على هذا المعنى ممّا لا تعلّق له بما نحن فيه . فيدفعه أوّلا : منع ظهورها في الإخبار عمّا كان عليه تعالى في الاُمم السالفة بل هو إخبار عمّا هو عليه في دار الآخرة بقرينة الآيات السابقة عليها ، حيث قال تعالى : ( وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ) ( 1 ) ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) ( 2 ) ( من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها ولا تزر وازرة وزر اُخرى وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً ) ( 3 ) . وثانياً : منع ظهور « كنّا » في المضيّ ، بل هو يجري مجرى الماضي المأخوذ في التعريفات فيكون منسلخاً عن الزمان ، على حدّ قوله تعالى : ( وما ربّك بظلاّم للعبيد ) ( 4 ) و ( ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ) ( 5 ) وغير ذلك ممّا لا يحصى في الكتاب كثرة . وفائدة
هامش
( 1 ) الإسراء : 13 . ( 2 ) الإسراء : 14 ( 3 ) الإسراء : 15 . ( 5 ) الأحزاب : 40 ( 4 ) فصّلت : 46 .