تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
إنّما يمنعه عن الاقتضاء ويؤثّر في عدم اقتضائه لا في ارتفاعه ، بل المراد به ما ينافي المقتضي ويرفعه . ألا ترى أنّ قبح الكذب من حيث هو مقتض لتحريمه شرعاً ، وإذا طرأه جهة النفع في حفظ النفس المحترمة عن القتل يقال لها المانع ، مع أنّها رافعة لقبح الكذب لا أنّها مانعة عن اقتضائه التحريم مع بقائه ، وذلك لأنّ القبح عبارة عن كونه بحيث يستحقّ فاعله الذمّ ، وإذا لحقته جهة النفع خرج عن كونه بحيث يستحقّ فاعله الذمّ إلى كونه بحيث يستحقّ فاعله المدح ، لا أنّه مع كونه بحيث يستحقّ فاعله الذمّ يصير بحيث يستحقّ فاعله المدح أيضاً ، بأن يجتمع فيه الوصفان مع منع الوصف الثاني عن تأثير الأوّل في الحكم الشرعي وهو التحريم . وحينئذ فمعنى احتمال وجود المانع في موضوع حكم العقل احتمال وجود ما لا يجامع حسنه أو قبحه ، وحيثما احتمل ذلك في نظر العقل يبقى متحيّراً ومتردّداً في حسن ذلك الشيء وقبحه ، على معنى هل هو بحيث يستحقّ فاعله المدح أو هو بحيث يستحقّ فاعله الذمّ ؟ ومعه يستحيل منه الحكم بحسنه وقبحه ، ولا يجديه أصالة عدم وجود المانع نفعاً في رفع هذا التحيّر والتردّد المانع عن الحكم بهما . غاية ما هنالك أن يحكم بأحدهما على تقدير عدم وجوده ، ولا ريب أنّ تقدير الشيء لا يحقّقه في الخارج ، والحسن والقبح التقديريّان لا يؤثّران عند العقل في حكم شرعي أصلا ، لا واقعاً ولا ظاهراً . ألا ترى أنّه لو قيل : « هذا المايع إن كان خمراً فهو حرام » ، فلا خفاء في أنّ تقدير كونه خمراً مع عدم ثبوت خمريّته لا يوجب الحكم عليه بالحرمة الواقعيّة ولا الظاهريّة ، فكلّ ما حكم فيه العقل بحسن أو قبح فلا بدّ وأن يلازم الحكم الشرعي واقعاً ، وكلّما لم يحكم فيه بحسن أو قبح على التحقيق لاحتمال وجود المانع لم يعقل فيه حكمه بالملازمة ، لا واقعاً ولا ظاهراً . وبالجملة فالعقل إذا أدرك في الشيء حسناً أو قبحاً يحكم ببداهته بالتكليف الشرعي على حسبما أدركه ، ويستحيل حكم الشارع بخلافه ، لقبح النهي عن الحسن والأمر بالقبيح ، وإذا أدرك تساوي فعله وتركه وخلوّه عن الحسن والقبح يحكم ببداهته بإباحته ، ولا يجوّز خلافها لقبح إيجاب نحوه أو تحريمه ، إلاّ أن يعرضه حسن بعد الأمر به باعتبار كونه مقدّمة لمحبوب وهو الامتثال ، فرجع الكلام إلى أنّ جهات الفعل والصفات الكامنة فيه حيثما استقلّ العقل بإدراكها علل تامّة للأحكام الشرعيّة الواقعيّة .