تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ولو سلّم فالعقاب من جهته كلام آخر لا ربط له بالمقام ، حيث إنّ الكلام في العقاب على خصوص العمل بالقطع لا على الخوض في مقدّمات تحصيله باعتبار التجرّي . ولو قدر المنع بمعنى عدم الرضا بالعمل والركون في القطع الغير المصادف ، فهو وإن كان مسلّماً إلاّ أنّه لا اختصاص له بما حصل من المقدّمات العقليّة ، بل لو حصل من مقدّمات نقليّة فهو أيضاً ممّا لا يرضى الله في الواقع بالعمل به والركون إليه ، مع أنّه لا فائدة فيه بالنظر إلى حال المكلّف الغير الملتفت إليه لعدم تجويزه الخلاف في قطعه . ولو قدّر المنع بمعنى العقاب على العمل بالقطع الغير المصادف ، فهو لا يسلّم إلاّ مع العلم الإجمالي بكثرة الخطأ والاشتباه في تلك المقدّمات ، وقد تقدّم منع العلم الإجمالي بوقوع خطأ واحد فضلا عن كثيره في المقدّمات العقليّة الّتي هي محطّ بحث الاُصولي ، فإنّها غير خالية عن المستقلاّت العقليّة والاستلزامات العقليّة ، وليس في شيء منهما علم إجمالي . وبالتأمّل في جميع ما قرّرناه ينقدح ما في ذيل كلام هذا المحدّث من قوله : « إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا من الخطأ وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم منه » ، فإنّ الخطأ في أخبارهم إن لم يكن أكثر ممّا هو في الأدلّة العقليّة فليس بأقلّ منه ، مع أنّ المنع من التمسّك بغير كلامهم ممّا يخالف سيرة سلفنا الصالحين وطريقة آبائنا السابقين من المتكلّمين والفقهاء والمحدّثين ، حيث نراهم قديماً وحديثاً متمسّكين في المطالب الشرعيّة كلاميّة واُصوليّة وفروعيّة بالبراهين العقليّة ، وكفاك شاهداً بذلك استنادهم إلى دليل اللطف الّذي هو دليل عقلي في كثير من المطالب الشرعيّة . وهذا من أقوى الشواهد بعدم انحصار طريق إثبات المطالب في الأدلّة النقليّة . وأمّا ما في كلام السيد الجزائري والمحقّق البحراني فمع ما فيهما من أكثر ما تقدّم من فرض التعارض بين الدليل العقلي والدليل النقلي وبين الدليلين العقليّين ، فإنّه من أعجب العجاب بل من أوضح المفاسد ، إذ الدليل العقلي ما كان دليليّته منوطة بحصول القطع منه ، والدليل النقلي ما كان دليليّته منوطة بإفادته القطع أو الظنّ ، والتعارض عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين ، فإن كان الدليل العقلي ممّا حصل منه القطع بالمطلب فكيف أن يحصل القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه ، وإن فرض حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي فكيف يجوز أن يحكم العقل بخلافه على وجه القطع . ومن ذلك ظهر وجه الفساد في فرض التعارض بين عقلي مع مثله ، فالدليل العقلي