شرح
من الشرع بالخصوص » فيجري فيه الأقوال الأربع المعروفة في الأشياء الغير الضروريّة
قبل الشرع ، من أنّ العقل لا يحكم فيها بشيء أو يحكم بالحظر أو الإباحة أو التوقّف ، فكلّ يبني على مذهبه الّذي اختاره فيها .
ومن الأعلام من صرّح برجوع الحكم السابق وفسّره بالبراءة أو الإباحة أو التحريم وقال : « إنّه يختلف إمّا بحسب اختلاف الموارد كما لو كان من العبادات لأصالة التحريم ، أو كان من العادات والتلذّذات فيباح ، أو كان من المعاملات فالأصل براءة الذمّة من اللزوم لأنّ الأصل عدم ترتّب الأثر ، أو بحسب اختلاف الأقوال فيما لم يرد به نصّ بالخصوص من حظر أو إباحة » انتهى ( 1 ) .
وإطلاقه بعد ما بيّنّاه في تقوية كلام المصنّف غير سديد ، كما أنّ تفسير الحكم السابق الّذي يرجع إليه بعد نسخ الوجوب بالبراءة أو الإباحة غير سديد ، لأنّه إرجاع للواقعة بعد النسخ إلى عنوان مسألة البراءة وقد عرفت منعه .
ثمّ إنّ في إطلاق حكمه بالتحريم من جهة التشريع فيما يكون من مقولة العبادات ما لا يخفى ، وكأنّ نظره إلى ما لو قصد بإتيانه جهة العبادة والتقرّب وإلاّ فلو أتى به لا بهذا القصد بل لغرض آخر من الأغراض الصحيحة العقلائيّة فلا يكون تشريعاً حتّى يحرم .
وأمّا ما ذكره من أصالة البراءة عن اللزوم فيما لو كانت الواقعة من المعاملات فهو كما ذكره ، ومثاله ما لو فرض أنّ الشارع أوجب بيع المنابذة مثلا لحكمة دعت إليه ، فإنّه يدلّ بالمطابقة على حكم تكليفي وهو وجوب إيقاع تلك المعاملة وبالالتزام على حكم وضعيّ وهو الصحّة بمعنى ترتّب الأثر من النقل والانتقال ، وحينئذ فلو نسخ ذلك الوجوب بعد مدّة يقع الشكّ تارةً في حكمه التكليفي أهو الإباحة أو التحريم ؟ واُخرى في حكمه الوضعي المقتضي للزوم ، بمعنى وجوب دفع كلّ من العوضين على المتعاقدين إلى صاحبه على ما هو من لوازم حصول الملك من الجانبين لغير من له الملك أو لا ؟ غير أنّ حكمه التكليفي قد ظهر من الرجوع إلى مسألة الحظر والإباحة ، وأمّا حكمه الوضعي فمرجع الشكّ فيه بالأخرة إلى وجوب دفع العوضين على كلّ منهما إلى صاحبه ، وهو فرع على ترتّب الأثر على معنى حصول الملك لكلّ منهما في مال صاحبه ، وهو موضع شكّ فالأصل عدمه .
وقضيّة ذلك براءة الذمّة عن اللزوم بمعنى وجوب الدفع .( 1 ) القوانين 1 : 127 .