وفي هذا الصدد سجّل لنا التاريخ أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) هو أعلم الصحابة على الإطلاق ، وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ، ولم نعلم أنّه ( عليه السلام ) رجع إلى واحد منهم أبداً ، فهذا عمر يقول : " لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن " ( 1 ) ، ويقول :
" لولا علي لهلك عمر " ( 2 ) .
وهذا ابن عبّاس يقول : " ما علمي وعلم أصحاب محمّد في علم علي إلاّ كقطرة في سبعة أبحر " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) أنساب الأشراف للبلاذري : 100 ، المناقب للخوارزمي : 97 ح 98 ، ذخائر العقبى : 82 ، نظم درر السمطين : 132 ، فيض القدير للمناوي 4 : 47 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 12 : 101 ، وقال سعيد بن المسيب : " كان عمر يتعوذّ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن " الطبقات لابن سعد 2 : 339 ، تاريخ دمشق 42 : 406 ، أُسد الغابة 4 : 22 ، فتح الباري 13 : 286 .
( 2 ) المناقب للخوارزمي : 81 ح 65 ، نظم درر السمطين : 132 ، فيض القدير للمناوي 4 : 470 ، ينابيع المودة 2 : 172 ، ذخائر العقبى : 82 ، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 152 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 1 : 141 .
( 3 ) المناقب لابن شهرآشوب 1 : 311 عن تفسير النقاش . وقال ابن الأثير في النهاية 1 : 207 " ومنه حديث ابن عبّاس : فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في المتغنجر . القرارة : الغدير الصغير " .
وقال المناوي في فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3 : 60 بعد إيراده حديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها . . "
قال : " . . فإنّ المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها ، ولا بد للمدينة من باب فأخبر أنّ بابها هو علي - كرم الله وجهه - ، فمن أخذ طريقه دخل المدينة ، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى ، وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف ، أخرج الكلاباذي أنّ رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال : سل علياً هو أعلم منّي ! فقال : أُريد جوابك ؟
قال : ويحك كرهت رجلاً كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يغره بالعلم غراً ، وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك ، وكان عمر يسأله عمّا أشكل عليه ، جاءه رجل فسأله فقال : هاهنا علي فاسأله ! فقال : أريد اسمع منّك يا أمير المؤمنين ؟
قال : قم لا أقام الله رجليك ، ومحى اسمه من الديوان .
وصح عنه من طرق أنّه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم حتّى أمسكه عنده ولم يوله شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل .
وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال : ذكر لعطاء أكان أحد من الصحب أفقه من علي ؟ قال : لا والله .
قال الحراني : قد علم الأولون والآخرون أنّ فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب الحجاب حتّى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء . . " .
وقال ملا علي القاري في المشكاة 11 : 252 في شرحه لحديث " أنا دار الحكمة وعلي بابها " قال : " . . وممّا يدل على جزالة علمه ما في الرياض عن معقل بن يسار قال : وضأت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : هل لك في فاطمة ] تعودها [ ؟
فقلت : نعم .
فقام متوكئاً علي فقال : إنّه سيحمل ثقلها غيرك ويكون أجرها لك .
قال : فكأنّه لم يكن عليّ شئ حتّى دخلنا على فاطمة فقلنا : كيف تجدينك ؟
قالت : لقد اشتدّ حزني ، واشتدت فاقتي ، وطال سقمي .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : وجدت بخط أبي هذا الحديث قال : أوما ترضين أنّ زوجك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً ؟ ! أخرجه أحمد .
وعن ابن عبّاس وقد سأله الناس فقالوا : أيّ رجل كان عليّاً ؟
قال : كان قد ملئ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة مع قرابته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . أخرجه أحمد في المناقب .
وعن سعيد بن المسيب قال : عمر كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن . أخرجه أحمد " .
وفي المستدرك للحاكم النيسابوري 3 : 125 بسنده قال : " . . عن أبي إسحاق قال : سألت قثم بن العبّاس : كيف ورث علي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دونكم ؟
قال : لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدنا به لزوقاً .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد . ووافقه الذهبي في التلخيص .
ثمّ ذكر الحاكم في الحديث اللاحق فقال : سمعت إسماعيل بن أبي إسحاق القاضي يقول وذكر له قول قثم هذا فقال : إنّما يرث الوارث بالنسب لا بالولاء ، ولا خلاف بين أهل العلم أنّ ابن العم لا يرث مع العم ، فقد ظهر بهذا الاجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دونهم " .
وقال ابن تيمية في مجموعة الفتاوى الكبرى 4 : 302 : " وأما قوله ] يعني علي [ : " اسألوني عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض " فإنه قاله . . " .
وما ذكره المناوي خير دليل على كلام الدكتور الرحيلي الذي ذكره في كتابه الانتصار للصحب والآل 171 إذ إنّ الخلفاء الذين سبقوا عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) واغتصبوا حقه من الخلافة التي كان أجدر بها وأقدر وأحقّ إلاّ أنّهم منعوه منها ، لكنهم لم يستغنوا عنه في أمور السياسة والدين ، فكانوا يرجعون إليه في المسائل التي تعرض عليهم فلذلك حبسوه عندهم ولم يولوه شيئاً من البعوث أو المنصب ، فمنعهم لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من المناصب الحكومية لا ينافي رجوعهم إليه في أُمور الدولة والدين . كما صرح المناوي بذلك حينما قال : " حتّى أمسكه عنده ولم يوله شيئاً من البعوث لمشاورته في المشكل " .