تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
* مهمة وفيها فوائد * : الأُولى : قولُ الشاعرِ : أَبَى جُودُه لا البُخْلَ واسْتَعْجلتْ نَعَمْ * بهِ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلَهْ ( 1 ) ذَكَرَ يونُسُ أَنَّ أَبا عَمْرو بنَ العَلاءِ كانَ يجرُّ البُخْل ويَجْعَل لا مُضافَةً إليه ، لأنَّ لا قد تكونُ للجُودِ وللبُخْلِ ، أَلا تَرى أنه لو قيلَ له امْنَعِ الحَقَّ فقالَ : لا كانَ جُوداً منه ؟ فأَمَّا إنْ جَعَلْتها لَغْواً نصبْتَ البُخْلَ بالفِعْل وإنْ شِئْتَ نصبْتَه على البَدَلِ ؛ قال أَبو عَمْرو : أَرادَ أَبى جُودُه لا التي تُبَخِّلُ الإِنْسانَ كأنَّه إذا قيلَ لا تُسْرِفْ ولا تُبَدِّرْ أَبى جُودُه قولَ لا هذه ، واسْتَعْجَلَتْ بهِ نَعَمْ فقالَ : نَعَمْ أَفْعَلْ ولا أَتْركُ الجُودَ . قال الزجَّاجُ : وفيه قولانِ آخَرانِ على رِوايَةِ مَنْ رَوَى أَبَى جُودُه لا البُخْل بنَصْبِ اللامِ : أَحَدُهما مَعْناه أَبَى جُودُه البُخْلَ وتَجْعل لا صِلَةً ؛ والثاني : أَنْ تكونَ لا غَيْرَ لَغْوٍ ويكونُ البُخْلُ مَنْصوباً بَدَلاً مِن لا ، المَعْنى أَبَى جُودُه لا التي هي للبُخْلِ ، فكأَنَّك قُلْتَ أَبَى جُودُه البُخْلَ وعَجَّلَتْ بهِ نَعَم . وقال ابنُ برِّي : مَنْ خَفَضَ البُخْل فعَلَى الإضافَةِ ، ومَنْ نَصَبَ جَعَلَه نَعْتاً للا ، ولا في البَيْتِ اسْمٌ ، وهو مَفْعولٌ لأَبَى ، وإنَّما أَضافَ لا إلى البُخْل لأنَّ لا قد تكونُ للجُودِ ، قال : وقولهُ إنْ شِئْتَ نصبْتَه على البَدَلِ قال : يَعْني البُخْل تَنْصبُه على البَدَلِ مِن لا لأنَّ لا هي البُخْل في المَعْنى ، فلا تكونُ لَغْواً على هذا القَوْلِ . الثانية : قال اللّيْثُ : العَرَبُ تَطْرحُ لا وهي مَنْوِيَّة كقولِكَ : والله أَضْربُكَ ، تُريدُ والله لا أَضْرِبُك ؛ وأَنْشَدَ : وآلَيْتُ آسَى على هالِكٍ * وأَسْأَلُ نائحةً مالَها ( 2 ) أَرادَ لا آسَى ولا أَسْأَل . قال الأزْهري : وأفادَ ابنُ المُنْذرِي عن اليَزِيدِي عن أَبي زيدٍ في قولهِ تعالى : ( يُبَيِّن الله لكُم أَن تَضِلُّوا ) ( 3 ) ، قال : مَخَافَة أَن تَضِلُّوا وحِذارِ أَن تَضِلُّوا ، ولو كانَ أَنْ لا تَضِلُّوا لكانَ صَواباً ؛ قال الأزْهرِي : وكَذلكَ أَن لا تَضِلَّ وأَنْ تَضِلَّ بمعْنًى واحِدٍ ، قال : وممَّا جاءَ في القُرْآنِ مِن هذا : ( أَنْ تَزُولا ) ( 4 ) ، يُريدُ أَنْ لا تَزُولا ، وكَذلكَ قولهُ تعالى : ( أَن تَحْبَطَ أَعْمالُكُم وأَنْتُم لا تَشْعُرونَ ) ( 5 ) ، أَي أَنْ لا تَحْبَطَ ؛ وقولُه تعالى : ( أَن تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ على طائِفَتَيْن مِن ( 6 ) قَبْلنا ) ؛ مَعْناه أَنْ لا تَقولُوا . * الثَّالثة : أَنْ لا إذا كانتْ لنَفْي الجِنْس جازَ حَذْفُ الاسْم لقَرِينَةٍ نحو : لا عَلَيْك ، أَي لا بَأَسَ عليك ، وقد يُحْذَفُ الخَبَرُ إذا كانَ مَعْلوماً نحو : لا بَأْسَ . * الرابعة : أَنْشَدَ الباهِلي للشمَّاخ : إذا ما أدَلَجَتْ وضَعَتْ يَدَاها * لَها الإدْلاجُ لَيْلَة لا هُجُوعِ ( 7 ) أَي عَمِلَتْ يَداها عَمَلَ الليلةِ التي لا تهْجَعُ فيها ، يَعْني الناقَةَ ، ونَفَى بِلا الهُجُوعَ ولم يُعْمِلْ ، وتَرَكَ هُجُوع مَجْروراً على ما كانَ عليه مِن الإضافَةِ ؛ ومِثْلُه قولُ رُؤْبة : * لقد عرَفْتُ حِينَ لا اعْتِرافِ * نَفَى بِلا وتَرَكَه مَجْروراً ؛ ومِثْلُه : * أَمْسَى ببَلْدَةِ لا عَمَ ولا خالِ * الخامِسةُ : قد تُحْذَفُ أَلفُ لا تَخْفيفاً كقِراءَةِ مَنْ قَرَأَ : ( واتَّقُوا فِتْنَةً لتصِيبَنَّ الذين ( 8 ) ظَلَمُوا ) ؛ خَرَّجَ على حَذْفِ أَلفِ لا ، والقِراءَةُ العامَّة لا تصِيبَنَّ ، وهذا كما قالوا أَم والله في أَما والله .
هامش
( 1 ) البيت في اللسان والصحاح والشاهد 453 من شواهد المغني ، ولم ينسبوه . ( 2 ) اللسان والتهذيب بدون نسبة والبيت للخنساء ، ديوانها ط بيروت ص 120 برواية : فآليت . . . وأسأل باكية . . . ( 3 ) سورة النساء ، الآية 176 . ( 4 ) سورة فاطر ، الآية 41 وتمامها : * ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) * . ( 5 ) سورة الحجرات ، الآية 2 . ( 6 ) سورة الأنعام ، الآية 156 . ( 7 ) اللسان والتهذيب . ( 8 ) سورة الأنفال ، الآية 25 .