تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقال أَبو عبيدَةَ : إنَّ غَيْر في قولهِ تعالى : ( غَيْر المَغْضُوبِ عليهم ) ، بمعْنَى سِوَى . وإنَّ لا في ( ولا الضَّالِّين ) صِلَةٌ ، واحْتَجَّ بقولِ العجَّاج هذا . قال الفرَّاء : وهذا جائِزٌ لأنَّ المَعْنى وقَعَ فيمَا لا يتبيَّن فيه عَمَلَه ، فهو جَحْدٌ محْضٌ لأنَّه أَرادَ في بئْرِ ماء ( 1 ) لا يُحِيرُ عليه شيئاً ، كأَنَّك قلْتَ إلى غَيْر رُشْدٍ توَجَّه ( 2 ) وما يَدْرِي ؛ قالَ : وغَيْر في الآيةِ بمعْنَى لا ، ولذلكَ زِدْتَ عليها كما تقول فلانٌ غيرُ مُحْسِنٍ ولا مُجْمِلٍ ، فإذا كانت غَيْر بمعْنَى سِوَى لم يجزْ أَن يكُرَّ عليه ، أَلا تَرَى أنَّه لا يَجوزُ أَن يقولَ : عِنْدِي سِوَى عبدِ الله ولا زيدٍ ؟ . ورَوَى ثَعْلَب أَنَّه سَمِعَ ابنَ الأعْرابي يقولُ في قولِ العجَّاج : أَرادَ حُؤُورٍ أَي رُجُوع ، المَعْنى أنَّه وَقَعَ في بئْرِ هَلَكةٍ لا رجُوعَ فيها وما شَعَرَ بذلكَ . وقولهُ تعالى : ( ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئةُ ) ( 3 ) ؛ قالَ المبرِّدُ : لا صِلَةٌ ، أَي والسَّيِّئَة ؛ وقولُ الشاعرِ أَنْشَدَه الفرَّاء : ما كان يَرْضَى رسولُ الله دِينَهُمُ * والأطْيَبانِ أَبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ ( 4 ) قالَ : أَرادَ وعُمَر ، ولا صِلَةٌ ، وقد اتَّصَلَتْ بجَحْدٍ قَبْلها ؛ وأنْشَدَ أَبو عبيدَةَ للشمَّاخ : أعايش ما لأَهْلِك لا أَرَاهُمُ * يُضَيّعونَ الهِجَانَ مع المضيّع قال : لا صِلَةٌ ، والمَعْنى أَراهُم يُضَيِّعُونَ السّوامَ ، وقد غَلَّطُوه في ذلِكَ لأنَّه ظَنَّ أنَّه أَنْكَر عليهم فَسادَ المالِ ، وليسَ الأَمْرُ كما ظَنَّ لأنَّ امْرأَتَه قالتْ له : لمَ تُشدِّدُ على نَفْسِك في العَيْشِ وتُكْرِم الإِبِلَ ؟ فقالَ لها : مالي أَرَى أَهْلَكِ يَتَعهَّدُونَ أَمْوالَهم ولا يُضَيِّعُونَها وأَنْتِ تَأْمُرِيني بإضاعَةِ المالِ ؟ . وقال أَبو عبيدٍ : أَنْشَدَ الأصْمعي لساعِدَةَ الهُذَلي : أَفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كأَنَّ ومِيضَه * غابٌ تَسَنّمه ضِرامٌ مُثْقَبُ ( 5 ) قالَ يريدُ أمنك ( 6 ) بَرْقٌ ولا صِلَةٌ . وقال الأزْهري : وهذا يُخالِفُ ما قالَهُ الفرَّاءُ : إنَّ لا لا تكونُ صِلَةً إلاَّ مع حَرْفِ نَفْي تقدَّمه . * وممَّا يُسْتدركُ عليه : قد تَأْتي لا جَواباً للاسْتِفْهامِ ، يقالُ : هل قامَ زَيْدٌ ؟ فيقال : لا . وتكونُ عاطِفَةً بعْدَ الأمْرِ والدُّعاءِ ، نحو : أَكْرِمْ زَيْداً لا عَمْراً ، واللّهُمَّ اغْفِرْ لزَيْدٍ لا عَمْرو ، ولا يَجوزُ ظُهورُ فِعْلٍ ماضٍ بَعْدَها لئَلاَّ يلتبسُ بالدُّعاء ، فلا يقالُ : قامَ زَيْدٌ لا قامَ عَمْرو . وتكونُ عِوَضاً مِن حَرْفِ البَيانِ والقصَّة ومِن إحْدَى النُّونَيْن في أَنَّ إذا خُفّف نحو قوله تعالى : ( أَفلا يَرونَ أَنْ لا يرجعَ إليهم ( 7 ) قَوْلاً ) . وتكونُ للدُّعاءِ نحو : لا سلم : ومنه ( ولا تحمل علينا إصْراً ) ( 8 ) ؛ وتَجْزمُ الفِعْلَ في الدُّعاءِ جَزْمه في النَّهْي . وتكونُ مهيئةً نحو : لَوْلا زَيْد لكانَ كذا ، لأنَّ لو كانتْ تَلِي الفِعْل فلمَّا دَخَلَتْ لا معها غَيَّرَتْ مَعْناها ووليت الاسم . وتَجِئ بمعْنَى غَيْر ، كقوله تعالى : ( مالكُم لا تَناصَرُونَ ) ( 9 ) ، فإنَّه في مَوْضِع نَصْبٍ على الحالِ ، المَعْنى مالَكُم غَيْر مُتناصِرِينَ ، قالَهُ الزجَّاج . وقد تُزادُ فيها التاءُ فيُقالُ لاتَ ، وقد مَرَّ للمصنِّفِ في التَّاءِ .
هامش
( 1 ) في اللسان والتهذيب : في بئر ما . ( 2 ) عن اللسان والتهذيب وبالأصل بوجه . ( 3 ) سورة فصلت ، الآية 34 . ( 4 ) اللسان والتهذيب . ( 5 ) ديوان الهذليين 1 / 172 برواية : أفمنك . . . غاب تشيعه . . . والمثبت كرواية اللسان والتهذيب . ( 6 ) عن اللسان والتهذيب وبالأصل أعنك . ( 7 ) سورة طه ، الآية 89 . ( 8 ) سورة البقرة ، الآية 286 . ( 9 ) سورة الصافات ، الآية 25 .
تاج العروس — صفحة 402 | مرتضى الزبيدي