قصائده . ولا شك أنه استعان بما بين يديه من شعر الأقدمين في التراث الاسلامي الذي كان عمره حوالي ثلاثة أرباع القرن من المثل العليا والدنيا ومن الخير والشر . ولهذا لا يمكن أن نجد فلسفة خارقة للعادة أو شاذة أو جديدة جدا عما كان مألوفا حتى زمن الكميت ، ولكن هضمه كل هذا ولكونه في آخر زمن تجمعت فيه تجارب سريعة لبني قومه بعد الاسلام وعصر الفتوحات وما قبلها ، فعرض تجاربه بشكل جديد وجدير وعنيف .
ولعل انضج ما في شعره من التأمل قصيدته التي روتها ( الجمهرة ) فقد جمع فيها عدة حقائق هي خلاصة فلسفته النابعة من العلاقات الاجتماعية السائدة في بيئته وفيها تمجيد للحلم والعقل والإفادة من التجربة والطاعة المستوجبة لذوي الرأي .
ألا لا أرى الأيام يقضى عجيبها * بطول ولا الاحداث تفنى خطوبها
ولا عبر الأيام يعرف بعضها * ببعض من الأقوام الا لبيبها
ولم أر قول المرء الا كنبله * به وله محرومها ومصيبها
وما غبن الأقوام مثل عقولهم * ولا مثلها كسبا أفاد كسوبها
وما غبن الأقوام عن مثل خطة * تغيب عنها يوم قيلت أريبها
. . . . . . . . . . . . . .
وتفنيد قول المرء شين لرأيه * وزينة أخلاق الرجال وظوبها
وأجهل جهل القوم ما في عدوهم * وأقبح أخلاق الرجال غريبها
رأيت ثياب الحلم وهي مكنة * لذي الحلم يعرى وهو كأس سليبها
ولم أر باب الشر سهلا لأهله * ولا طرق المعروف وعثا كثيبها
وأكثر مأتى المرء من مطمأنه * وأكثر أسباب الرجال كذوبها
. . . . . . . . . . . . .
ولكن صبرا عن أخ لك ضائر * عزاء إذا ما النفس حنّ طروبها
رأيت عذاب الماء ان حيل دونه * كفاك لما لا بد منه شريبها
وان لم يكن الا الأسنة مركب * فلا رأي للمحمول الا ركوبها