تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
وقالَ الزَّجَّاجُ : لكُلِّ إِنْسَانٍ نَفْسَانِ : إِحْدَاهُمَا نَفْسُ التِّمْييز ، وهي الّتي تُفَارِقُه إِذا نامَ ، فلا يَعْقِلُ بهَا ، يَتَوَفَّاهَا الله تَعَالَى ، والأُخْرَى : نَفْسُ الحَيَاة ، وإِذَا زَالَت زالَ مَعَهَا النَّفِسُ ، والنَّائمَ يَتَنَفَّسُ ، قال : وهذا الفَرْقُ بينَ تَوفِّي نَفْسِ النائِم في النَّوْم ، وتَوَفِّي نَفْسِ الحَيِّ . قال : ونَفْسُ الحَيَاة هي الرُّوحُ وحَرَكَةُ الإِنْسَان ونُمُوُّه [ يكون به ] ( 1 ) . وقال السُّهَيْليُّ في الرَّوْض : كَثُرت الأَقَاويلُ في النَّفْس والرُّوح ، هل هُمَا وَاحِدٌ ؟ أَو النَّفْسُ غيرُ الرُّوح ؟ وتَعَلَّقَ قومٌ بظَوَاهرَ من الأَحاديثِ ، تدُلُّ على أَنَّ الرُّوحَ هي النَّفْسُ ، كقول بلالٍ أَخَذَ بِنَفْسِك ، مع قولهِ صَلَّى الله عليه وسَلَّم : " إِنّ الله قَبضَ أَرْوَاحَنا " وقولِه تعالَى : ( الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ ) والمَقْبُوضُ هو الرُّوحُ ، ولم يَفَرِّقُوا بَيْنَ القَبْضِ والتَّوَفِّي ، وأَلْفَاظُ الحَدِيثِ مُحْتَملَةُ التَّأْويلِ ، ومَجَازَاتُ العَرَبِ وإتِّسَاعاتُها كَثِرَةٌ : والحَقُّ أَنَّ بَيْنَهما فَرْقاً ، ولو كانَا اسْمَيْنِ بِمَعْنىً وَاحِدْ ، كاللَّيْثِ والأَسَدِ ، لَصَحَّ وُقُوعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهما مكانَ صاحِبِه ، كقوله تعالى : ( ونَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوِحِي ) ( 2 ) ، ولم يَقْلْ : مِن نَفْسِي . وقوله : ( تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي ) ولم يَقُلْ : ما فِي رُوحي . ولا يَحْسُنُ هذا القَولُ أَيضاً مِن غيرِ عِيسَى عليه السَّلامُ . ( ويَقُولُونَ في أَنْفُسهمْ ) ( 3 ) ولاَ يَحْسَن في الكلام : يَقُولُون في أَرْوَاحهم . وقال : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) ( 4 ) ولم يقَل : أَنْ تَقُولَ رُوحٌ ، ولا يَقُولُه أَيْضاً عَرَبيٌّ ، فَأَيْنَ الفَرَقُ إِذا كَانَ النَّفْسُ والروَّحُ بمَعْنىً وَاحدٍ ؟ وإِنّمَا الفَرْقُ بينَهما بالإعْتبَارَاتِ ، ويَدُلُّ لذلك ما رَوَاهُ ابنُ عَبْد البَرِّ في التَّمْهِدِ ، الحَديث : إِن اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وجَعَلَ فِيه نَفْساً ورُوحاً ، فمن الرُّوحِ عَفَافُه وفَهْمُه وحِلْمُه وسَخاؤُه ووَفَاؤُه ، ومِن النَّفْسِ شَهْوَتُه وطَيْشُه وسَفَهُه وغَضَبُه فلا يُقَالُ في النَّفْسِ هي الرُّوحَ عَلى الإِطْلاق حَتَّى يُقَيَّدَ ، ولا يُقَال في الرُّوحِ هي النَّفْسُ إِلاّ كما يُقَالُ في المَنِيِّ هو الإِنْسَانُ ، أَو كما يُقَالُ للمَاءِ المُغَذِّي لِلكَرْمَةِ هو الخَمْرُ ، أَو الخَلُّ ، على معنَى أَنه سيُضَافُ إِليه أَوصَافٌ يُسَمَّى بها خَلاًّ أَو خَمْراً ، فتَقَيُّدُ الأَلْفَاظِ هو مَعْنَى الكلامِ ، وتَنْزِيلُ كُلِّ لَفْظٍ في مَوْضِعه هو مَعْنَى البَلاغةِ ، إِلى آخِر ما ذَكرُه . وهو نَفِيسٌ جداً ، وقد نَقَلْتُه بالإخْتصَار في هذا المَوْضع ، لأَنّ التَّطْويِلَ كَلَّتْ منه الهِمَمُ ، لاسَّيمَا في زَماننا هذا . والنَّفْسُ : قَدْرُ دَبْغَةٍ ، وعَلَيْه اقتصر الجَوْهَرِيُّ ، وزاد غيرُه : أَو دَبْغَتَيْن . والَّدِبْغَةُ ، بكسر الدال وفتحها ممَّا يُدْبَغُ به الأَديمُ من قَرَظٍ وغيره ، يُقَال : هَبْ لي نَفْساً مِن دِبَاغٍ ، قال الشَّاعِرُ : أَتَجْعَلُ النَّفْسَ الَّتِي تُدِيرُ * فِي جِلْدِ شاةٍ ثُمَّ لا تَسِيرُ قال الجَوْهَرِيُّ : قال الأَصْمَعِيُّ : بَعثَت امرأَةٌ مِن العربِ بِنْتاً لها إِلى جارَتِهَا ، فقالت لها : تقولُ لك أُمِّي : أَعْطِينِي نَفْساً أَو نَفْسَيْنِ أَمْعَسُ بِه مَنِيئَتي فإِنِّي أَفِدَةٌ . أَي مُسْتَعْجِلَةٌ ، لا أَتفرَّغُ لإتِّخاذِ الدِّباغِ مِن السُّرْعَةِ . انتَهَى . أَرَادَتْ : قَدْرَ دَبْغَة أَو دَبْغَتَيْن من القَرَظ الّذِي يُدْبَغُ به . المَنِيئَةُ : المَدْبَغَةُ ، وهي الجُلُودُ الّتِي تُجْعَلُ في الدِّباغ . وقيل : النَّفْسُ مِن الدِّباغِ : مِلْءُ الكَفِّ ، والجَمْعُ : أَنْفُسٌ ، أَنْشَدَ ثَعْلَبٌ : وذِي أَنْفُسٍ شَتَّى ثَلاثٍ رَمَتْ بِهِ * عَلَى المَاءِ إِحْدَى اليّعْمَلاتِ العَرامِسِ يَعْنِي الوَطْبَ مِن اللبَنِ الذِي طُبَخَ بهذا القَدْرِ مِن الدِّبَاغِ . وقالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ : النَّفْسُ : العَظَمَةُ والكِبْرُ ، والنَّفْسُ : العِزَّةُ . والنَّفْسُ : الأَنْفَةُ . والنَّفْسُ : العَيْبُ ، هكذا في النُّسخِ بالعَيْنِ المُهْمَلَة ، وصَوَابُه بالغَيْنِ المُعْجَمَةُ ، وبه فَسَّر ابْنُ الأَنْبَارِيّ قوله تعالَى : ( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ) الآيَةَ ، وسَبَقَ الكلامُ عليه . والنَّفْسُ : الإِرادَةُ . والنَّفْسُ : العُقُوبَةُ ، قيل : ومنه قولُه تَعَالَى : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) ( 6 ) أَي عُقُوبَتَه ، وقال غيرُه : أَي يُحَذِّرُكم إِيّاه . وقد تَحَصَّل مِن كلامِ المصنِّف ، رحمَه الله تعالى ، خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنىً للنَّفْسِ ، وهي : الرُّوح ( 1 ) ، والدَّمُ ( 2 ) ،
هامش
( 1 ) زيادة عن التهذيب . ( 2 ) سورة الحجر الآية 29 . سورة المجادلة الآية 8 . ( 4 ) سورة الزمر الآية 56 . ( 5 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : المدبغة ، بفتح الميم هي بدل من المنيئة " . ( 6 ) سورة آل عمران الآية 28 .
تاج العروس — صفحة 16 | علي شيري / مرتضى الزبيدي