تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
الوِرْدَ على ما حَقَّقه الجوهريّ وغيرُه ثَمَانِيَة أَيّام أَو مع لَيْلَة ، فمَنِ اعْتَبَر الزِّيادةَ أَلْحَقَ اليومَ باللَّيْلَةِ ، ومن لم يَعْتَبِرْ جَعَلَ اللَّيْلَةَ كالزِّيادَةِ . وبه يُجَابُ عن الجوهريّ أَيضاً ، حيث لم يَذْكُر القَوْلَ الثَّانِيّ ، فكأَنَّه اكْتَفَى بالأَوّل لعَدَمِ مُنافاتِه مع الثَّانِي . فتأَمَّل . وكنت في سابِقِ الأَمْرِ حِينَ اطّلعتُ على مُؤاخَذَاتِه كتبتُ رسالةً صغيرةً تَتَضَمَّن الأَجْوِبَةَ عنها ، ليس هذا محلَّ سَرْدِهَا . ولِهذَا قال شَيْخُنَا : الإِشارة تعودُ لأَقْرَبِ مذكور ، أَي ولكَوْنِ العِشْرِ التاسِعَ لم يُقَل : عِشْرِيْنِ ، أَي مُثَنَّىً ، فلو كان العِشْرُ العاشِرَ لقالوا : عِشْرَانِ ، مُثَنّىً ، لأَنّ فيه عِشْرِيْنِ لا ثَلاَثَة ، هكذا في النُّسَخ المُتَدَاوَلَة . وقال بعضُ الأَفاضِل : ولعلّ الصَّوابَ : ولِهذا لم يَقُولُوا . وقالوا : عِشْرينَ بلَفْظِ الجَمْع ، فليس اسْماً للعاشِرِ بل للتاسع ، جَعَلُوا ثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً عِشْرِينَ تَحْقِيقاً والتاسِعَةَ عَشَرَ والعِشْرِينَ طائفةً من الوِرْد ، أَي العِشْر الثالث ، فقالُوا بهذا الاعْتِبَار : عِشْرِينَ ، جَمَعُوه بذلك وإِنْ لم يكن فيه ثلاثة . وإِطْلاق الجَمْع على الاثْنَيْنِ وبَعْض الثالثِ سائغٌ شائعٌ ، كقوله تعالى : ( الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) ( 1 ) . فلفظ العِشْرين في العَدَدِ مأَخوذ من العِشْر الذي هو وِرْدِ الإِبِل خاصَّة ، واستعماله في مطلق العَدَد فَرْعٌ عنه ، فهو من اسْتِعْمَال المُقَيَّد في المُطْلَق بلا قَيْد ؛ حَقَّقَه شيخُنَا . وفي جَمْهَرة ابنِ دُرَيْد : وأَمّا قولُهم عِشْرُونَ فمأْخُوذٌ من أَظْماءِ الإِبِلِ ، أَرادوا عِشْراً وعِشْراً وبَعْضَ عِشْرٍ ثالثٍ . فلمّا جاءَ البَعْضُ جَعَلُوها ثَلاثَةَ أَعْشَار فجَمَعُوا ، وذلك أَن الإِبِلَ تضرْعَى سِتَةَّ أَيّام ، وتقرب يَومَيْن ، وتَرِدُ في التاسعِ ، وكذا العِشْر الثاني فهُمَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً ، وبَقِيَ يَوْمَانِ من الثالِث فأَقامُوهما مُقَامَ عِشْر ؛ والعِشْرُ : آخِرُ الأَظْمَاءِ . انتهى . وفي اللسان : قال الليث : قلتُ للخَلِيل : مَا مَعْنَى العِشْرين ؟ قال : جماعة عِشْر ، قلتُ : فالعِشْر كم يكون ؟ قال : تِسْعَةُ أَيّام . قُلْتُ : فعِشْرُون ليس بتَمَامِ ، إِنَّمَا هو عِشْرَانِ ويَوْمَان . قال : لمّا كان من العِشْر الثَّالِث يَوْمان جَمَعْتَه بالعِشْرِينَ . قلتُ : وإِنْ لم يَسْتَوْعِب الجِزْءَ الثالثَ ؟ قال : نَعَمْ ، أَلا تَرَى قولَ أَبي حَنيفَة : إِذا طَلَّقها تَطْلِيقَتَيْن وعُشْرَ تَطْلِيقَة ، فإِنّه يَجْعَلُهَا ثَلاثاً ، وإِنّما من الطَّلْقَةِ الثَالِثَةِ فيه جزءٌ ، فالعِشْرُونَ هذا قِيَاسُه . قلتُ : لا يُشْبهُ العِشْرُ التطليقةَ ، لأَنّ بعضَ التطليقةِ تطليقةٌ تامّة ، ولا يكونُ بَعْضُ العِشْر عِشْراً كامِلاً ، أَلا تَرَى أَنّه لو قال لامْرَأَته : أَنْت طالشقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةً أَو جُزْءاً من مائة تَطْلِيقَة كانت تَطْلِيقَةً تامَّةً ، ولا يكونُ نِصْفُ العِشْر وثُلثُ العِشْرِ عشْراً كاملاً . انتهى . قال شَيْخُنا : هذا الَّذِي أَوْرَده اللَّيْثُ على شَيِْخه ظاهرٌ في القَدْحِ في القيَاسِ ، بهذا الفَرْقِ الذِي أَشارَ إِلَيْه بَيْنَ المَقِيس والمَقِيسِ عَلَيْه ، وهو يرجه إِلى المُعَارَضَة في الأَصْلِ أَو الفَرْع أَو إِلَيْهِمَا . والأَصَحّ أَنّه قادحُ عند أَرْبابِ الأُصول . أَمّا أَهْلُ العَرَبِيّة فلَهُم فيه كَلامٌ . والصَحِيح أَنَّ القيَاسَ عندهم لا يَدْخُلُ اللُّغَةَ ، أَي لا تُوْضَع قِياساً كما حققته ( 2 ) في شَرْح الاقْتِراح وغَيْرِه من أُصولِ العَرَبِيَّة . أَما ذِكْرُ مِثْلِ هذا لِمُجَرَّدِ البَيَانِ والإِيضاح كما فعلَ الخَليلُ فلا يَضُرّ اتّفاقاً . وتَسْمِيَةُ جُزءِ التّطْليقة تَطْلِيَقةً ليس من اللّغَة في شيْءٍ ، إِنّمَا هو اصْطِلاحُ الفقهاءِ ، وإِجماعُهم عليه ، لا خُصُوصِيَّةٌ للإِمام أَبِي حَنيفَةَ وَحْدَهُ . وإِنّمَا حَكَمُوا بذلك لَمّا عُلمَ أَنّ الطَّلاقَ لا يَتَجَزَّأُ ، كالعِتْقِ ونَحْوِه ، فكلُّ فَرْدِ من أَجْزائه أَو أَجزاءِ مُفْرَدِه عامِلٌ مُعْتَبَرٌ للاحْتِياط ، كما حُرِّرَ في مُصَنَّفَاتِ الفقْه . وأَما جُزْءٌ من الوِرْد فهو مُتَصَوَّر ظاهِرٌ ، كجزءِ ما يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ ، كجُزْءٍ من عَشَرَة ومنْ أَرْبَعَة ومِنْ عشْرِينَ مَثَلاً ومن كُلّ عَدَد . فمُرادُ الخَلِيلِ أَنَّهم أَطْلَقُوا الكُلَّ على الجُزْءِ ، ك‍ ( الحَجُّ أَشْهُر مَعْلُوماتٌ ) . كما أَنَّ الفُقَهَاءَ في إِطْلاق نصْفِ التَّطْلِيقَة على التَّطْلِيقَة يُرِيدُون مِثْلَ ذلك ، لأَنّ بعض التَّطْليقة جُزْءٌ منها ، فمهما حَصَلَ أُرِيدَ به التَّطْلِيقة الكاملَة ، وإِنْ كان في التَّطْلِيقَةِ لازماً ( 3 ) وفي غَيْرها لَيْس كذلك ، فلا يَلْزَم ما فَهِمَه اللَّيْثُ وعارَضَ به من القَدْح في المِقْيَاس مُطْلَقاً كما لا يَخْفَى . وإِلاّ فَأَيْن وَضْعُ اللُّغَةِ وأَحْكَامُها من أَوْضاعِ الفِقْهِ لأَئِمَّته ؟ والله أَعلم . انتهى . وفي شَمْسِ العُلُوم : ويقال إِنّمَا كُسِرَت العَيْنُ في عِشْرينَ ، وفُتِح أَوَّلُ باقي الأَعْدادِ مثل ثَلاثِينَ وأَرْبَعِين ونَحْوِه إِلى الثمانين ، لأَنَّ عِشْرينَ من عَشَرَة بمنزلة اثْنَيْنِ من واحِد ، فدَلّ على ذلك كَسْرُ أَوّل ستّينَ وتسْعينَ لأَنّه يقال سِتَّةٌ وتِسْعَة . قلتُ : وهكذا صرَّح به ابنُ دريد . قال شيخُنا : ثمّ كلامُ ابنِ دريد وغيرِه
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 197 . ( 2 ) عن المطبوعة الكويتية ، وبالأصل " حققه " . ( 3 ) الأصل " لازم " خطأ .
تاج العروس — صفحة 224 | علي شيري / مرتضى الزبيدي