جزء منه ، وتأملاته عن حقيقتها ، ويتضح هذا الموضوع بالتأمل في الآراء المختلفة التي
يرتأيها الناس في حقيقة العالم .
فالذين يحصرون الوجود في هذا العالم المادي المحسوس ، ويعدون الانسان كائنا ماديا
محضا ( يحيى بتدفق الحياة في جسمه ، ويفنى بالموت ) فان نظرتهم هذه إلى الحياة نظرة
مادية بحتة ، فهم يسعون إلى تحقيق متطلباتهم المادية ، ويبذلون في هذا السبيل قصارى
جهودهم لتذليل الظروف والعوامل الطبيعية لأغراضهم ومصالحهم الخاصة .
واما الذين يعتقدون بأن عالم الطبيعة من صنع خالق أعلى شأنا من الطبيعة ، مثل عبدة
الأوثان ، فإنهم يذهبون إلى أن العالم مخلوق ، وخاصة الانسان ، وقد أسبغ الخالق نعمه
عليه ، كي ينعم بخيراتها ، فهم ينسقون برامج حياتهم وفقا لرضى الخالق ، مبتعدين عن
سخطه وغضبه ، فإذا ما استطاعوا جلب رضاه ، فنعمه موفورة ، مغدقة عليهم ، وإذا زالت
النعم فدليل سخطه عليهم .
وهناك من يعتقد بالله سبحانه وحده ، وينظر إلى حياة الانسان خالدة ، وهو مسؤول عن
أعماله خيرها وشرها ، ويقر بيوم الجزاء ( القيامة ) كالمجوس واليهود والنصارى
والمسلمين ، فهم يسلكون طريقا في حياتهم ، مراعين فيه هذا الأصل الاعتقادي ، كي
يحصلوا على سعاة الدارين ، الدنيا والآخرة .
ان مجموع هذه المعتقدات والأسس ( الاعتقاد بحقيقة الانسان والكون ) وما يلازمها من
احكام ، وأنظمة متناسقة ، والتي تدخل في نطاق عملهم في الحياة تسمى ب المذهب مثل
مذهب التسنن والتشيع في الاسلام ، أو مذهب الملكاني والنسطوري في المسيحية .
وبناء على ما تقدم ، يستحيل على الانسان - وان كان منكرا لوجود الله تعالى - ان
يكون في غنى عن الدين ( دستور الحياة الذي بني على أصل اعتقادي ) . فالدين اذن طريقة
الحياة التي لا تنفك عنها .
والقرآن الكريم ، يشير إلى أن الانسان لابد ان ينتهج الدين طريقا له ومسلكا ، وهذا
الطريق قد جعله الله تعالى لكافة البشر ، وبانتهاجه يصل إلى الله جل وعلا .
ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى الافراد ، فأما الذين سلكوا الدين الحق وهو الاسلام ،
فقد سلكوا طريق الصواب ، واما الذين مالوا عن هذا الطريق ، فقد ضلوا ضلالا مبينا 1 .
هامش
1 ) الا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا الآية
44 ، سورة الأعراف .