وهذه القُوى الثلاثُ متباينة جدّاً ، فمتى غلبَتْ إحداها انْقَهَرتِ الباقيتانِ ، وربما أبْطَلَ بعضُها فعلَ البعض .
والفضيلةُ للإنسان تَحْصُلُ بتعديل هذه القُوى :
فالعاقلةُ تَحْصُلُ مِن تعديلها فضيلةُ العلم والحكمةِ .
والغضبيةُ تَحْصُلُ من تعديلها فضيلة الحِلْم والشجاعةِ .
والشهَويةُ تَحْصُلُ من تعديلها فضيلةُ العِفّةِ .
فالحكمةُ حينئذٍ مَلَكة تَحْصُلُ للنفسِ عند اعتدال حركتها تحت سلطان العقل ، بها يكون شوقها إلى المعارف الصحيحة تَصْدُرُ عنها الأفعالُ المتوسّطةُ بين أفعال الجرْبزَةِ ، التي هي استعمالُ الفكر فيما لا يجب ، وهي طرف الإفراط . والغَباوةِ ، التي هي تعطيل قوّةِ الفكر بالاختيار لا بالخلقة ، وهي طرف التفريط .
والشجاعة التي هي فضيلة القوّةِ السبُعيةِ الغضبيةِ مَلَكة تَحْصُلُ عند اعتدال هذه القوّة تحتَ تصرّفِ العقل ، بها تَصْدُرُ الأفعالُ المتوسّطةُ بينَ أفعال التهوّرِ الذي هو الإقدامُ على ما لا ينبغي الإقدام عليه لحصول أمارة الهلاك أو غير ذلك ، وهو طرف الإفراط لهذه القوّة والجُبْنِ الذي هو الخوفُ ممّا لا ينبغي الخوفُ منه ، وهو طرف التفريط .
والعفّة مَلَكَة تَصْدُرُ عن اعتدال حركة القوّة الشهوية تحت تصرّف العقل ، بها تكون الأفعالُ المتوسّطة بين أفعال الشرَهِ ، وهو الانهماكُ في اللَّذّات والخروجُ فيها إلى ما لا ينبغي ، وهو طرف الإفراط والخُمُودِ الذي هو سكون النفس عن اللَّذّة الجميلة التي يحْتاجُ إليها لمصالحِ البدن ممّا رَخّصَتْ فيه الشريعةُ .
وإذا حَصَلَتْ هذه الفضائلُ الثلاثُ وتَسالَمَتْ باعتدال القُوى الثلاثِ ، حَدَثَتْ
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 62
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٦٢