المنع من طلاق الحائضِ يقتضي أيضاً الترجيحَ من غَيرِ مُرجّحٍ إذ يمكنُ أنْ يقالَ هنا بعكس ذلك ، بأنّ أخبارَ المنع من طلاق الحائضِ مع ظهور الحَيْضِ في زوجةِ الغائبِ مخصوصة بالأخبار العامّةِ الدالَّةِ على جواز تطليقِ الغائب زوجتَه مع انقضاء المدّة المشترطة على كلّ حالٍ ، فيكون طلاق الحائض على هذا الوجه جائزاً .
قلنا : هذه المعارَضةُ في محلَّها ، والعموم متحقّق من الطرفين ، فلا ينبغي الترجيح من غَير مرجّحٍ ، إلا أنّا يمكنُنا حينئذٍ أنْ نقولَ : تعارضُ العمومينِ اقتضى اطَّراحَ الدلالتينِ لاستحالة الترجيحِ . ويبقى الحكم بصحّةِ الطلاق يَحْتاجُ إلى دليلٍ شرعي لأنّه تأسيس حُكْمٍ شرعي لم يكنْ فلا بُدّ له من دليلٍ . وكون الصيغة حاصلةً من أهلها وباقي الشرائط مجتمعةً غَيرُ كافٍ في الحُكْمِ بالصحّةِ ، حتّى يكون المحلّ وهو المرأة قابلًا للوقوعِ ، ولم يتحقّقْ ذلك فيبقى حكمُ الزوجية باقياً إلى أنْ يُعْلَمَ المُزِيلُ .
فإنْ قيل : كذلك الحكمُ ببطلان الطلاقِ حكم شرعي ، فلا بدّ لمُثْبته من دليلٍ شرعي كما يحتاجُ إليه مدّعي الصحّةِ ، إذ هما متساوِيانِ في الحكم الوضعي المفتقِرِ ثبوتُه إلى دليلٍ .
قلنا : نمنَعُ المساواةَ بين الصحّةِ والبطلانِ في ذلك فإنّ البطلان يكفي فيه الحكم بالزوجيةِ السابق المتّفقِ على حصوله مع الشكّ في المُزِيل لها ، بخلاف الحكم بالصحّة فإنّه يوجب انتقالَ الحكم السابقِ وتغيّرَه ، فلا بدّ له من دليلٍ يوجبه .
وقد ظهر بذلك قوّةُ القول بالبطلان ورُجحانُه ، ومثل هذا القَدْرِ كافٍ في إثبات الحُكْمِ الشرعي ، وإنْ بقي في الطرَفِ الآخر اشتباه مرجوح فإنّ زوالَ
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 437
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٤٣٧