دأب الأخباريين فإن الظاهر من كلامهم أنهم يقولون ما نفهم كلام الله تعالى حتى نستدل به إلا بتوقيف الإمام ، ويمكن أن يكون وصل إليه الخبر باستدلال المعصوم بها أو يكون مرادهم من عدم فهم الكتاب معضلاته ومتشابهاته ، وهذه الآيات من المحكمات فيرتفع الخلاف ، فإن الاستدلاليين أيضا لا يحكمون في المتشابهات بالجزم ، وإن ذكروا تأويلا فبالاحتمال ، فالاستدلال بالآية الأولى بأنه لما ذكر الله تعالى في معرض الامتنان إنزال الماء من السماء فلو كان المراد أن ماء من المياه المنزلة من السماء مطهر لما حصل الامتنان .
والطهور في اللغة يطلق بمعنى ما يتطهر به كالوقود والوضوء ، وبالقرائن المقامية والإخبارية يفهم أنه مراد الله تعالى ، فإن استعمال الطهور بمعنى المطهر أو ما يتطهر به وهما يرجعان إلى معنى واحد شائع في الأخبار ، بل لم نر استعماله في اللغة والشرع بمعنى الطاهر ، وما يقال إن فعولا مبالغة في الفاعل فقط فإنه محض دعوى ، ويؤيده الآية الثالثة فإنه لا خلاف فيها وهو صريح فيها ، فلو اكتفي في الاستدلال بذكرها لما احتيج إلى هذا القيل والقال ( وإما الآية الثانية ) - فلبيان أن الماء الذي في الأرض كله من السماء للامتنان ، يعني أنزلنا من السماء بالقدر الذي تحتاجون إليه أو بسبب التقدير الذي قدرنا والتقدير أيضا بقدر الاحتياج ، وأسكناه في الأرض ظاهره أن مياه الأرض بسبب الأمطار ولهذا تنقص بنقصانها ، وإنا على إذهاب الماء قادرون ، يعني يجب عليكم أن تعرفوا نعمي وتشكروني ولا تكفرون .
فظهر من المجموع « أن أصل المياه من السماء » وهو كله مطهر إلى أن يعلم
هامش
( 1 ) الفرقان : 48 .
( 2 ) المؤمنون : 18 .
( 3 ) الأنفال : 11 .