الله ( ص ) ، حتى ولو كان شخصيا هو الذي سمعها ، وموقفه بالحجرة المباركة ومواجهته
للرسول وجها لوجه ، وإن قوله للرسول : حسبنا كتاب الله يؤكد هذه الحساسية .
وإن لم يكن أبو حفص مع قريش التي نهت عبد الله بن عمرو عن كتابة أحاديث الرسول ، فمن
هي قريش إذا ؟ ، صحيح أنه لم يكن واحدا من سادة قريش قبل الإسلام ، وأنه كان شخصا
عاديا ، ولكنه نال الشرف بالإسلام ، ونال العلا بمصاهرته لرسول الله فأصبح من سادة
قريش ، فمن غير الممكن أن تنهى قريش في غياب عمر ! ! ! .
ولما آلت الخلافة إلى عثمان بعد موت عمر ، كانت أول مشاريعه أن أصدر مرسوما بعدم
جواز رواية أي حديث لم يسمع به في عهدي أبي بكر وعمر ( 1 ) .
تلك هي قريش التي نهت عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة أحاديث رسول الله ، بحجة
أن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى . وفي الحقيقة فإن الغاية المنشودة من النهي
كانت لغايات إبطال مفاعيل الأحاديث النبوية المتعلقة بمؤسسة الإمامة من بعد النبي
( ص ) ، وبالدور المميز لأهل بيت النبوة ( ع ) بعد وفاته ! ! .
معاوية يبين الغاية من الإشاعة .
كان معاوية بن أبي سفيان أحد قادة التحالف ، وقد أصدر مرسوما بعد عام الجماعة ، وأرسل
نسخا من هذا المرسوم إلى كل عماله ، حيث أمر فيه بالحرف ، أن : برئت الذمة ممن روى
شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ! !
فمعاوية قد أبرز بيت القصيد ، والغاية من منع كتابة أحاديث رسول الله ، حتى لا ينتشر
فضل أبي تراب وأهل بيته في الأمة ، وحتى لا يعرف المسلمون حقهم الثابت شرعا بقيادة
هذه الأمة ! ! ( 2 ) .
ثانيا - روى البخاري : إن رسول الله كان يغضب ، فيلعن ، ويسب ، ويؤذي من لا يستحقها ،
ودعا الله أن تكون لمن بدرت منه زكاة وطهورا .
وهكذا صوروا رسول الله صاحب الخلق العظيم الذي وصفه الله تعالى بآية محكمة
( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 3 ) ، بصورة الرجل الذي يفقد السيطرة على أعصابه ،
فيتصرف بمثل تلك التصرفات التي ألصقوها ظلما به ( ص ) : لأن الشخص العادي الذي لا
تتوفر فيه مؤهلات النبوة ، يترفع عن سب ولعن وإيذاء الناس بدون سبب ، فكيف بسيد
الخلق وأعظمهم ؟ ! ! ! .
القصد من الإشاعة ؟ ! ! .
القصد من ممارساتهم تلك هو دعم الإشاعة الأولى ، والتشكيك بشخصية الرسول وبصحة
هامش
1 - منتخب الكنز هامش مسند الإمام أحمد 4 / 64 .
2 - شرح النهج لعلامة المعتزلة 3 / 595 - 596 .
3 - سورة القلم آية 4 .