وكم حاول أبو جعفر المنصور أن يستميل الإمام الصادق ( ع ) إلى جانبه ، الا أنه فشل ،
لان الإمام ( ع ) كان يفرض مقاطعة على الحكم العباسي ، وكان يعرف أن مقاطعته ترسم
موقفا شرعيا للمسلمين ، وتكشف انحراف السلطة فتضعف مركزها في النفوس ، وتسلب الصفة
الشرعية منها وتهيئ الأجواء المناسبة لهدمها والتخلص منها ، ليكون موقفه هذا طريقا
ومنهجا وأسلوبا لكل العلماء والمفكرين من السلطات الظالمة .
وقد كتب أبو جعفر المنصور إلى الإمام الصادق ( ع ) كتابا يطلب فيه قرب الصادق ،
ومصاحبته ، ومما جاء في الكتاب : .
لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فكتب إليه الصادق ( ع ) : ليس لنا ما نخافك من أجله ،
ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنئك ، ولا نراها نقمة
فنعزيك . فكتب إليه المنصور : تصحبنا لتنصحنا . فأجابه الصادق ( ع ) : من أراد الدنيا لا
ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك ( 1 ) .
وكان أبو جعفر المنصور يزداد غيظا على الإمام الصادق ( ع ) ويخشى مركزه وموقفه ، إلى
درجة أصبح المنصور معها حائرا عاجزا عن تحديد موقف من الإمام الصادق ( ع ) حتى قال
فيه .
هذا الشجن ( 2 ) المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه ، ولا يحل قتله ، ولولا ما
تجمعني وإياه من شجرة طاب أصلها ، وبسق فرعها ، وعذب ثمرها ، وبوركت في الذرية ،
وقدست في الزبر ، لكان منى ما لا يحمد في العواقب ، لما بلغني من شدة عيبه لنا ، وسوء
القول فينا ( 3 ) .
ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن ( النفس الزكية ) ( 145 ه ) :
أما الحدث الثالث الخطير الذي وقع في عصر الإمام الصادق ( ع ) ، فهو ثورة محمد ذي النفس
الزكية في عصر أبى جعفر المنصور ، فقد تسلم أبو جعفر المنصور السلطة سنة ( 136 ه )
بعد أخيه أبى العباس السفاح وكان من أشد الحكام الذين سبقوه نقمة وعداوة لآل البيت
النبوي ( ع ) .
وكان عصره عصر ضيق وشدة على عموم المسلمين ، فحركت هذه الاحداث محمد بن عبد الله بن
الحسن - ابن عم الإمام الصادق ( ع ) - ، وقد عرضنا فيما سبق من البحث موقف الإمام الصادق
( ع ) من تصدى عبد الله بن الحسن وولده محمد للخلافة ، وأنه كان على يقين من
فشل الحركات العلوية ، وقد كان في حواره مع عبد الله بن الحسن في بداية الدعوة
العباسية - قبل ثلاثة عشر عاما - قد أخبره بأن
هامش
1 - محمد أبو زهرة / الإمام الصادق / ص 139 .
* الشجن : العود الصغير الذي إذا اعترض في فم الانسان فمن الصعب ابتلاعه أو لفظه
خارج الفم .
3 - محمد أبو زهرة / الإمام الصادق / ص 138 .