صحيح أن للإمام الحق في رفع السلاح ضد الحاكم : ولكن قد تبرز مسائل تحول دون أن
يقوم الإمام بهذا الفعل .
بعد هذا ينبغي أن نتناول الدوافع التي قد يكون واحد منها أو جميعها سببا لموقف
الإمام السجاد ( ع ) من الحركة : .
فالدافع الأول : إن الإمام السجاد ( ع ) كان يعلم أن ثورة المدينة سوف تؤدي إلى فجائع
كبيرة ، وقتل النفوس الكثيرة ، وهتك الحرمات ، وذلك لأنه شاهد بنفسه ما فعله
الأمويون في كربلاء بحق الإمام الحسين ( ع ) ، وأهله وأنصاره ، ولم يقف دون أفعالهم
الوحشية مقام الحسين ( ع ) وصلته برسول الله ( ص ) ، فلو أعلن أهل المدينة الخروج على
الشام ، فإن يزيد سيسحقهم بلا رحمة ، وقد حصل هذا على يد مسلم بن عقبة .
وفي الواقع أن الإمام كان يعلم أن نتائج الثورة الفاشلة ستكون شاملة وقاسية ،
ولهذا لم يشترك فيها خوفا على صحابة رسول الله ، وعلى أعراض المسلمين ونفوسهم .
وكان النعمان بن بشير قد حذر القائمين بالثورة من مغبة تلك الثورة ، وخوفهم بأن
الفتك ، والهتك سيكون شاملا ورهيبا ، فجاء يكلمهم في جدوى الثورة .
فقال له عبد الله بن مطيع العدوي : ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا ، وفساد ما
أصلح الله من أمرنا ؟ فقال النعمان : أم والله كأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو
إليها ( أي الثورة ) ، وقامت إليها الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم
بالسيوف ، ودارت رحى الموت بين الفريقين ، وقد هربت على بغلتك تضرب جنبيها إلى مكة ،
وقد خلفت هؤلاء المساكين ( يعني الأنصار ) يقتلون في سككهم ، ومساجدهم ، وعلى أبواب
دورهم ، فعصاه الناس فانصرف ، وكان والله كما قال ( 1 ) .
والدافع الثاني : ان حركة المدينة كانت متأخرة ، إذ كان ينبغي أن تتحرك ، حيث رفض
الإمام الحسين ( ع ) البيعة ليزيد أثناء حكم معاوية ، أو تتحرك بعد وفاة معاوية ، إلا أن
شيئا من ذلك لم يحصل ، حتى استقر الوضع لصالح يزيد بن معاوية .
فحركة المدينة متأخرة زمنا عن وقتها المناسب ، فلا فائدة من الاشتراك فيها .
والدافع الثالث : إن أية حركة لا ترتبط بالامام الشرعي ، سواء بصورة مباشرة أو غير
مباشرة ، لا يمكن أن تحقق أهدافها الاسلامية ، فقد تستطيع أن تقوض بعض معالم
الانحراف ، ولكنها قاصرة عن إيجاد البديل الشرعي ما دامت لم ترتبط بالامام ( ع )
وحركة المدينة ، وإن كانت ذات بواعث سليمة ، وقام بها الأنصار والمهاجرون ، ولكنها
حيث لم ترتبط بالامام الشرعي ، فلا يمكن أن توصل إلى الأهداف المرجوة .
والدافع الرابع : إن أهل المدينة لم يتقدموا للبيعة إلى الإمام الحسين ( ع ) بعد وفاة
معاوية ، وليس معنى ذلك أن الإمام الحسين طلب البيعة فرفض أهل المدينة بيعته ، إنما
المقصود أنهم لم يبادروا إلى بيعة الإمام الحسين ( ع ) مع علمهم بحقه ، وعلمهم بيزيد
وسلوكه ، وهذا الموقف ترك أثره بعد شهادة الإمام الحسين ( ع ) في نفس علي بن
الحسين ( ع ) ، فلم يشترك الامام في
هامش
1 - تاريخ الطبري ج 7 ص 4 .