تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
من أعطى مقاما من التوكَّل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتّقين . كما قال عبد الله بن مسعود : التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في توكَّله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني ، كما يبتلى سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ . يختبر بذلك صدقه في توكَّله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء الصادقين المقرّبين ، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه ، فيكون مردودا إلى التوبة ، كما قال تعالى : * ( لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) * [ الأحزاب : 24 ] ، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم قال تعالى : * ( ويُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) * [ الأحزاب : 24 ] ، فأحسن حال المدّعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم . وقال تعالى : * ( أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) * [ العنكبوت : 2 ] ، ثم أخبر بسنته التي قد خلت في عباده فقال : ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا . فليقل المتوكَّل عند خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنّة : اللَّهم إنّ جميع ما في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة منّي على من أخذه ، فإن أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات : إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله أمره كيف شاء ، واختيار الله له نقصان الدنيا ، وإذهاب ما لعله يفتتن بتبقيته ، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ليظهر صدقه ومسألته ، أو ليستبين للعبد كذبه ، فإن حمد الله وشكره على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين ، كما جاء في العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال : يا رب من أولياؤك ؟ قال : الذين إذا أخذت منه المحبوب سالمني ، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده ، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين ، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأوّل انكشف له بطلان دعواه وظهر له خفيّ كذبه في حياته ، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان وخضع ، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان ، فيعلم إنه كذاب لكراهية ما قضى الله وقلَّة صبره أو بسخطه ما حوّله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأنّ ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أنّ المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا