بهم ، فيقول لهم : لا تملَّوا الشيخ ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول : دعهم يا لكع ، فإنهم أحب إلي منكم ، فهؤلاء يحبوني لله عزّ وجلّ وأنتم تريدوني للدنيا . وقال أبو معاوية الأسود :
إخواني كلهم خير مني ، قيل : وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه ، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المرء على دين خليله ، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه . وكان الأعمش يقول : من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته ، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم ، فيستدل عليه بهم . وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال : قال عليّ بن أبي طالب : كرم الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل رهق فقال شعرا :
لا تصحب أخا الجهل * وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى * حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء * إذا ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء * مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب * دليل حين يلقاه
وأنشد محمد بن جامع الفقيه شعرا :
تذلل لمن إن تذللت له * يرى ذاك للفضل لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال * على الأصدقاء يرى الفضل له
وأنشدنا لبعض الأدباء :
كم من صديق عرفته بصديق * صار حظي من الصديق العتيق
ورفيق رأيته في طريق * صار عندي محض الصديق الحقيقي
وروينا عن الحسن بن عليّ عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا مختصرا :
إن أخاك الحق من كان معك * ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك * شتت شمل نفسه ليجمعك
ولا تصحّ مؤاخاة مبتدع في الله تعالى ، ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه ، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه ، ولا ما يناله من عاجل مهناه ، وقد تصح المحبة بين الغني والفقير ، وتوجد الأخوة إن لم يقم الغني بحقوق أخيه ، إذا آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به ، فلم يفتضه . وقد تصح الأخوة بين العالم والجاهل ، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 372
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٣٧٢