بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبد بأيدي عبادي أحبّ إليّ من أن أرزقه بيد القدرة .
وقال بعض المنقطعين إلى الله من العارفين : كنت ذا صنعة جليلة ، فأريد مني تركها ، فحاك في صدري : من أين المعاش ؟ فهتف بي هاتف : لا أراه . تنقطع إليّ وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليّا من أوليائي ، أو أسخر لك منافقا من أعدائي . وفي خبر عن بعض السلف : أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك .
وقال بعض المجاورين بمكة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله ، فرأيت ذات ليلة فقيرا يطوف بالكعبة في ظلمة الليل ، حسن الهدى والسمت . قال : فكنت أتتبع آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر . فلما قضى أسبوعه وقف في الملتزم بين الباب والحجر ، فسمعته يدعو دعاء خفيا ، فأصغيت إليه ، فإذا هو يقول : جائع كما ترى ، عريان كما ترى ، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى . قال : فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث ، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي : لا أجد لتلك الدراهم موضعا خير من هذا . قال : فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة زمزم يصلَّي ركعتي الطواف ، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت : رحمك الله أنت في مثل هذا الموضع ، وعلى مثل هذه الحالة ، فخذ هذه تنفقها . قال : وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض ، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم فقال : أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتقوّت به ثلاثا . ثم قال :
لا حاجة لي بسائرها . قال : فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد لبسهما . قال :
فهجس في نفسي من أمره شيء ، فقبض على يدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين ، منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ، لم يظهر للناس . فقال : هذا كله قد أعطيناه فزهدنا فيه ، ونأخذ من أيدي الخلق أحبّ إلينا لأنه أحبّ إلى الله ، وأخف علينا في المطالبة ، وهذه أثقال وفتنة ، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة . وروينا في خبر : البلاد بلاد الله والخلق عباده ، فأينما وجدت رزقا فأقم وأحمد الله .
وروينا عن ابن عباس : اختلف الناس في كل شيء إلَّا في الرزق والأجل ، أجمعوا على أنّ لا رازق إلَّا الله ولا مميت إلَّا الله . وقال : إنّ الله عزّ وجلّ لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها . فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع ، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف موضع ، ومنهم من ألف موضع ، ومنهم من مائة موضع ، ومنهم في موضع وأقل وأكثر ، ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروم إليه ، وكل عبد يسعى
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 332
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٣٣٢