تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 3

مساهمون:

ص٣
بسم الله الرحمن الرحيم

شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين وهو المقام السابع من مقامات اليقين

التوكَّل من أعلى مقامات اليقين ، وأشرف أحوال المقرّبين . قال الله الحق المبين : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [ آل عمران : 159 ] ، فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه محبّته . وقال الله عزّ وجلّ : * ( وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * [ إبراهيم : 12 ] . فرفع المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه . وقال جلت قدرته : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ) * [ الطلاق : 3 ] أي كافية مما سواه . فمن كان الله تعالى كافية فهو شافيه ومعافيه ولا يسأل عمّا هو فيه ، فقد صار المتوكل على الله تعالى من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية ، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه : * ( وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً ) * [ الفرقان : 63 ] إلى آخر أوصافهم ، وهم الذين كفاهم في هذه الدار المهمّات ووقاهم بتفويضهم إليه السيّئات بقوله تعالى : * ( أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ ) * [ الزمر : 36 ] ، وقوله تعالى : * ( وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ . فَوَقاهُ الله سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) * [ غافر : 44 - 45 ] وليس هؤلاء من عباد العدد فقط الذين قال الله عزّ وجلّ : * ( إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ والأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا ) * [ مريم 93 - 94 ] . وقال بعض الصحابة وغيره من التابعين : التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر . وحدثونا عن بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة . قلت : فأي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال : التوكَّل وقصر الأمل فعليك بهما . وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان والإخلاص والتوكل والاستسلام للربّ عزّ وجلّ . وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : ليس في المقامات أعزّ من التوكَّل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه صبابة انتشقها الصدّيقون والشهداء ، فمن تعلَّق بشيء منه فهو صديق أو شهيد . وقال بعض العارفين ، وهو أبو سليمان الداراني : في كلّ المقامات لي قدم إلَّا هذا
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 3 | أبي طالب المكي / باسل عيون السود